سالم بوحاجب
علم في رأسه علم شاسع ووقاربقلم سفيان بن فرحات
كانت تونس على حافة الهاوية. اشتدّت وطأة الاستبداد الداخلي بينما بدأت القوى الخارجية تنهش الإيالة في اللحمة الحية، على غرار كلاب الدم المسعورة. تراءت إرهاصات ليل الحقب الاستعمارية الطويل منذ انقلبت الأمور رأسا على عقب، وانفلتت مقوّمات السيادة تدريجيا. بعد الغشّ والمزايدات والخزعبلات والمغالطات والتلاعب، أيقنت القوى الاستعمارية أن رؤوس الغدر قد أينعت وحان قطافها. انكب الفرنسيس والطليان والأنقليز على فراش الإيالة المتداعية، راصدين سكرات الموت، للانقضاض على ما تبقّى من رفاتها وسلبها.
وصف محمد بيرم الخامس الأوضاع ببلاغة تُغني عن الإلحاح في السؤال، من تلكم التداعيات التي تُفوّض الأمر إلى علاّم الغيوب. كتب في رسالة لأحد أصدقائه واصفا أوضاع تونس عشية الاستعمار :فلو رأيت ما عليه القرار، لملئت رعبا ولولّيت منه الفرار، من ذئاب تغتال، وثعالب تحتال، مجتهدة في قلب الرحال، وتشتيت الرجال، وثعبان شاغر فاه لابتلاع الأموال، فيا لها من حال يرثى لها من رام النزال، وتخرّ لشدّتها شامخات الجبال، افتضحت فيها ربّات الحجال، وهوت الإيالة إلى الزوال، وتمكّن من القلوب الزلزال، وتقاربت الآجال، وانقطعت الآمال، وعُدّ الصلاح من المحال.
فقد فاز من نهض بنفسه، واستراح من فتنة باطنه وحسّه...والله العظيم ونبيّه الكريم، طالما نهضت عزائمي إلى الترحال، فأثقلتني قيود العيال، مع ما أنا عليه من الوحدة عن أخ شقيق، أو قريب يخلفني فيهم عند الضيق، ولم أستطع التخلص بكلّي، لما لا يخفى مما يثقل كلّي، وأقسم بالقرآن، وصفات الرحمان، أنني عرضت للبيع أملاكي، لأتخلّص بها من أشراكي، وأستعين منها بالأثمان، فلم أجد من يصرف لهذا الوجه عنان، ولو من أعيان الأعيان، فالناس حيارى من الأقوات، تائهين في جلب الضروريات، يكادون من القحط أن يأكلوا الحديد، ويقولون هل من مزيد، «وترى الناس سُكارى وما هم بسُكارى ولكن عذاب الله شديد»، إلى غير ذلك من زفرات تتصعّد، وجمرات تتوقّد، وأنين بقوارع الطريق، وصياح على الأبواب ونعيق، وضجيج بالأسواق، حتى تخالها قد التفّت الساق بالساق، فلا تسأل عن القلوب، وما دهاها من الخطوب، وقد فوّضنا الأمر إلى علاّم الغيوب
وصف محمد بيرم الخامس الأوضاع ببلاغة تُغني عن الإلحاح في السؤال، من تلكم التداعيات التي تُفوّض الأمر إلى علاّم الغيوب. كتب في رسالة لأحد أصدقائه واصفا أوضاع تونس عشية الاستعمار :فلو رأيت ما عليه القرار، لملئت رعبا ولولّيت منه الفرار، من ذئاب تغتال، وثعالب تحتال، مجتهدة في قلب الرحال، وتشتيت الرجال، وثعبان شاغر فاه لابتلاع الأموال، فيا لها من حال يرثى لها من رام النزال، وتخرّ لشدّتها شامخات الجبال، افتضحت فيها ربّات الحجال، وهوت الإيالة إلى الزوال، وتمكّن من القلوب الزلزال، وتقاربت الآجال، وانقطعت الآمال، وعُدّ الصلاح من المحال.
فقد فاز من نهض بنفسه، واستراح من فتنة باطنه وحسّه...والله العظيم ونبيّه الكريم، طالما نهضت عزائمي إلى الترحال، فأثقلتني قيود العيال، مع ما أنا عليه من الوحدة عن أخ شقيق، أو قريب يخلفني فيهم عند الضيق، ولم أستطع التخلص بكلّي، لما لا يخفى مما يثقل كلّي، وأقسم بالقرآن، وصفات الرحمان، أنني عرضت للبيع أملاكي، لأتخلّص بها من أشراكي، وأستعين منها بالأثمان، فلم أجد من يصرف لهذا الوجه عنان، ولو من أعيان الأعيان، فالناس حيارى من الأقوات، تائهين في جلب الضروريات، يكادون من القحط أن يأكلوا الحديد، ويقولون هل من مزيد، «وترى الناس سُكارى وما هم بسُكارى ولكن عذاب الله شديد»، إلى غير ذلك من زفرات تتصعّد، وجمرات تتوقّد، وأنين بقوارع الطريق، وصياح على الأبواب ونعيق، وضجيج بالأسواق، حتى تخالها قد التفّت الساق بالساق، فلا تسأل عن القلوب، وما دهاها من الخطوب، وقد فوّضنا الأمر إلى علاّم الغيوب
- رحل خير الدين التونسي بعد استقالته من الوزارة الكبرى، وقد حالت الدسائس الداخلية والمكائد الفرانساوية والأوروبية دون تواصل تجربته الإصلاحية الرائدة. رحل الجنرال حسين هو الآخر، كما رحل المصلح رستم، وآثر كل من محمد بيرم الخامس ومحمد السنوسي ومحمد العربي زرّوق الفرار بجلودهم وإلقاء عصا التسيار في بلاد الغربة والاغتراب والفرقة، ولوعة فقدان درّة البلدان وأحلى الأحبة والأهل والجيران. استُشهد خير الدين بالأستانة، والجنرال حسين بفيرنزي في إيطاليا، ورستم بالإسكندرية، وبيرم الخامس بالقاهرة، والعربي زروق بالمدينة المنوّرة...
أمضى الصادق باي على وثيقة القصر السّعيد (وهي من باب أسماء الأضداد، إذ كان قصر الشؤم وموئل الآلام) المسمّاة اتفاقية باردو يوم 12 ماي 1881. احتلّت فرانسا تونس بموجب هذه الاتفاقية التي حملت اسما لا تضاهي معانيه الخبيثة سوى وقاحته الدلاليّة المبيّتة، إذ حملت الوثيقة اسم «اتفاقية الصداقة وحسن الجوار» (traité d’amitié et de bon voisinage) . هكذا كانت تُبرّر الضغائن الاستعمارية المقيتة في ذلك الزمن الرديء.
أورد الطاهر عبد الله بعض ردهات تلك الفترة العصيبة في كتابه حول الحركة الوطنية التونسية:«لم يكن اللقاء الفاجع في هذا الموقف كله هو اللقاء بين الجنرال الفرنسي والباي...ولكن اللقاء الفاجع حقا ابتدأ عندما اجتمع الباي قبل ذلك بيوم واحد مع مستشاريه ليستطلع رأيهم في مقاومة الاحتلال الفرنسي...فكان من رأي اللواء العربي زروق –رئيس البلدية- عدم الاستسلام والانتقال إلى العاصمة وإعلان المقاومة. فإن الأمة كلها مع الباي...وكانت الذروة في اللقاء عندما دخل الباي ليجتمع بمستشاريه وأعوانه وبرجال الشرع من قضاة وأهل الفتوى. وقال هؤلاء للباي: إذا كان الباي يعلم أنه لا قوة ولا قدرة له على المقاومة، فإن الشرع لا يرى مانعا من الاستسلام. ولكن العربي زروق انتفض يزأر في وجوه هؤلاء الذين لا يعبرون عن شرع أو شعب وإنما يعبرون فقط عن مصالحهم الضيقة، وأسكت هؤلاء الذين احتموا بالدعوة إلى التعقل والبعد عن المغامرة. ولم يضع وقته. والتفت للباي وقال له: «الآن لم يبق وجه لتأخير ما اتفقنا عليه أمس، من انتقال سيدنا إلى تونس. وهنالك يتجمع حولك نحو من ستين ألف مقاتل من أمتك، ويقضي الله بيننا». وكان جواب الباي إشارة حزينة بيده إلى العسكر المحاصر للقصر فكان جواب العربي:«من هنا تبدأ المعركة». فقال الباي:«أتريد أن تخضب هذه اللحية بالدم؟» وكان الردّ التلقائي من العربي زروق:«يذهب رأس واحد خير من ذهاب رؤوس أمة كاملة». وقام الباي غاضبا، وفضّ الاجتماع، ووقّع على المعاهدة بسرعة وأصدر أمره بعزل العربي زروق من جميع وظائفه، وكان مصير العربي زروق معروفا: إما القتل بواسطة الباي أو الفرنسيس أو الهرب...وقد آثر الهرب».
ابتُلي الشيخ سالم بوحاجب بهذا المصاب الجلل. كيف لا وهو الذي خالط عن قرب عُصبة المصلحين، وعاشرهم طويلا، وتقاسم معهم أعباء الدعوة الخيرية، بحلاوتها ومراراتها. وها هو اليوم وحيدا في بلاد لم تعد كما كانت بلاد، بل أضحت مرتعا لأجانب سرعان ما انقضّوا عليها كالجراد، فاجعين الأهالي في كرامتهم ،وذواتهم، وأملاكهم، وأعراضهم.
تذكّر صديقه وأستاذه ومولاه الشيخ محمود قابادو الذي مات منذ عشر سنين خلت. تذكّر وليّ نعمته المبكّرة محمد بيرم الرابع وشيخ الشيوخ سيدي إبراهيم الرّياحي. تذكر خير الدين ورحلاتهم الطويلة في الأستانة وفي رحاب السياسة والتأليف، تذكر الجنرال حسين، ذاك الفتى الشركسي المنشأ، النابغة ذي الفكر الوقّاد، الذي عاشره سنينا خلال إقامتهما ببلاد الطليان.
استعرض الشيخ سالم بوحاجب شريط بداياته المتدفقة كسيل الوادي الثابت في مسلكه رغم الصعاب، والداء والأعداء، لينصبّ في لجج البحور العلمية النقلية والعقلية.
تبسّم وهو يذكر تلكم الأيام العذبة ببنبلة، وهي قرية من قرى الساحل التونسي، أين وُلد سنة 1827. أوّاه منك يا أيام الوصل بمسقط الرأس. لا يسع من ترشّف مياهك سوى أداء «صلوات في هيكل الحب» التي سوف يبوح بها ذات يوم شاعر تونس والعرب أبو القاسم الشابي:
عذبة أنت كالطفولة كالأحلام كاللّحن، كالصباح الجديد
كالسماء الضحوك كالليلة القمراء كالورد كابتسام الوليد
جاء من أعماق جهة الساحل المُبتلى بالقهر والقمع قبل الاستعمار وبعده، الرافض للرضوخ، كما جاء الشيخ إسماعيل التميمي من الوطن القبلي الشامخ، والشيخ محمد الخضر حسين من نفطة بأقاصي الجنوب المقاوم... كان طفلا يافعا فطنا نبيها. تفطّن أهله لذلك فسارعوا بإرساله إلى تونس العاصمة أين كان عمّه يعطي دروسا خاصة لأبناء الوزير مصطفى آغا بقصر باردو.
التحق الطفل بالجامع الأعظم، جامع الزيتونة المعمور، وابتدأ رحلة تقارب قرنا من التعلّم والتدريس والريادة والتفوّق. اطّلع على أمهات الكتب، تناول بالدرس العميق أرقى المراجع والمصادر، تواصل مع المسائل الفقهية والأدبية والعلمية التي لا تُدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. ضايق أساتذته بتساؤلاته المتكررة، بل حنقوا عليه لملاحقته إياهم في بيوتهم لمزيد التفسير وإنارة سبيل إرادة المعرفة اللجّاجة. في فترة ما دأب سالم بوحاجب على الذهاب يوميا إلى باردو على الأقدام لقراءة «القاموس المحيط» للفيروز أبادي، المؤلف الضخم الذي تمكن من استيعابه لدرجة الحفظ عن ظهر قلب.
أثارت شخصية الشاب سالم اهتمام بعض المصلحين من أساتذته على غرار الشيخ محمد بيرم الرابع، حفيد العلاّمة محمد بيرم الأول، الذين فتحوا له أبواب مكتباتهم الثمينة على مصراعيها، فاغترف من كنوزها، ولازم خزائنها بما تحويه من معارف ظلت من صروف الدهر في حصن حصين.
سرعان ما تفتّقت مواهب العلاّمة لدى سالم بوحاجب الذي انتُدب مدرّسا بجامع الزيتونة وهو في العشرين من عمره. تكوّنت على أيديه زمر من الشباب الذين سوف يتميّزون لاحقا بالثورة ضد فرانسا داخلا وخارجا، على غرار صالح الشريف، ومحمد السنوسي، ومحمد بيرم الخامس، ومحمد الخضر حسين (الذي سيتولى التدريس والمشيخة بجامع الأزهر بالقاهرة)، وإسماعيل الصفايحي، وعبد العزيز الثعالبي وغيرهم.كما طال تأثيره خرّيجي الصادقية ودار المعلمين مثل علي بوشوشة والبشير صفر.
تعرّف سالم بوحاجب على الشيخ محمود قابادو الذي كان يدرّس آنذاك بالمكتب الحربي بباردو (أول معهد بوليتكنيك على ضفاف البحر البيض المتوسط الذي أسسه أحمد باشا باي سنة 1840). فزيادة عن الشيخ عمر، والد سالم بوحاجب الذي كان متضلّعا في علم الفرائض –وما أدراك ما علم الفرائض إلى يوم الناس هذا- حبّب محمود قابادو للشيخ سالم علوم الرياضيات ودرء التسليم الأعمى والتشبث بالنظر العقلي. ودأب أيضا على مراودة دروس الموطأ التي كان يلقيها الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي ببيته، وعلى النهل من علوم الشيخ الصوفي محمد بن ملوكة بزاويته بباب القرجاني والذي كان يتميّز بمعارف شائعة الصيت في علم الفرائض والعلوم العقلية من هندسة وحساب وفيزياء.
انضمّ سالم بوحاجب إلى أول هيئة تأسيسية للمجلس البلدي بالحاضرة سنة 1858 وتعرّف مذاك على الجنرال حسين الذي سوف تتوطّد علاقته به تباعا. كان احمد فارس الشدياق الأديب والصحافي اللبناني اللامع صاحب «الساق على الساق» مقيما آنذاك بتونس. وفي تونس بالذات اعتنق فارس الشدياق الديانة الإسلامية بعد أن سبق له أن اعتنق البروتستانتية وهو الماروني المنشأ، فسمّى نفسه أحمدا. كان يخال نفسه وحيد زمانه في أقطار البلاد العربية قاطبة في التمكن من اللغة العربية، أصولها وفروعها. وبالفعل كان من فطاحل عرب زمانه تمكنا من اللغة العربية، وأشدهم بلاغة وفصاحة، وأتقنهم تحريرا. ولكنه صُدم بتفوق سالم بوحاجب عليه في هذا المجال فقال لخير الدين :«إنكم لن تنالوا نهضة مبكّرة ما دام الشيخ سالم بوحاجب لا يجد بينكم مكانا».
وبالفعل عمل خير الدين على تقريب سالم بوحاجب من دوائر القرار السياسي أيام عصر النهضة التشريعي والسياسي الذي تميّز بصدور قانون عهد الأمان (1857) ودستور 1861، وسن مجلة الجنايات والأحكام العرفية (1861)، وهم تباعا أول إعلان عربي وإسلامي لحقوق الإنسان، وأول دستور يرى النور، وأول مجلة قانونية إطلاقا في كافة البلدان العربية والإسلامية.
أصبح سالم بوحاجب من المقربين لخير الدين وقابادو وحسين ورستم والبيارمة المحمّدين الرابع والخامس. عمل معهم على تركيز أسس النهضة الشاملة، فنجده يشارك في كافة اللجان الساهرة على تجسيد عهد الأمان وتكريس مدلولاته تشريعيا وعمليا. اضطلع بدور هام في مجال الإصلاح القضائي إذ انتُخب عضوا في اللجنة المكلفة بتفقد مجالس الأحكام، والمتكونة من عصمان ممثل السلطة العسكرية، ومحمد الأمين ممثل السلطة السياسية وسالم بوحاجب ممثل السلطة القضائية.
تفقدت هذه اللجنة سنتي 1862 و1863 عشرات مجالس الإيالة وعشرات السجون كسجون سوسة والمنستير وصفاقس وقابس وجربة وقفصة وتوزر والوطن القبلي. أفضت أعمالها إلى أول تقرير تقييمي للقوانين من خلال عمل المجالس القضائية وتطبيق أحكامها، ومعاينة ظروف إقامة المساجين، ومراقبة أعمال الضبطية (الباحث الابتدائي والضابطة العدلية والأعوان المكلفين بتطبيق القوانين كما نقول اليوم) وتقييم السجّانين. وقد كانت تونس سباقة منذ حوالي مائة وخمسين سنة خلت في تطبيق معايير مراقبة ومساءلة تطالب اليوم الأمم المتحدة بإنفاذها في سائر بلدان العالم، بما فيها تلك الضاربة في الديمقراطية أحقابا وأشواطا. وقد اعتُمدت هذه الملاحظات لاحقا خلال وزارة خير الدين التونسي سنة 1874 لسنّ قوانين خاصة ضبطت إدارة السجن، وإجراءاته، والاهتمام بمسائل مثل التهوئة والنظافة وتقسيم السجون حسب نوعية القضايا والجرائم والجنس والأعمار.
وعلى سبيل الذكر لا الحصر نورد بعض ما جاء في ملاحظات هذه اللجنة وتحريراتها وتدويناتها إثر زيارات متفقدي المجالس ومن بينهم كما أسلفنا سالم بوحاجب سنة 1862 (كما أوردها الدكتور الشيباني بنبلغيث في عديد أبحاثه ومداخلاته):
سجن صفاقس جديد وعلى الكيفية المطلوبة، متسع ونظيف ومفروش وبه عدة نوافذ وليس به ما يضرّ المسجونين
سجن المثاليث عبارة عن بيت من الشعر يوثق به المسجون في سلسلة
سجنا المنستير ليسا على شرط القانون لضيقهما وقلة الهواء
سجن القيروان غير صحي
سجون توزر على مقتضى القانون
سجون قفصة على مقتضى القانون ما عدا سجن الضبطية الضيق جدا
سجن المهدية ليس على شرط القانون وسجّان النسوة لا تطمئن إليه نفوس الأهالي
سجون ضبطية الوطن القبلي (وعددها 14) خالية غالبا من المساجين
سجنا قابس: سجن الدريبة في غاية الظلمة والضيق، واشتكى المسجونون به من عدم وجود المؤونة لأنهم مسجونون في المجابي. أما سجن البرج فهو أهون حالا باعتباره أوسع وأنظف رغم أنه لا يحتوي على شباك إلا في سطحه. كما أنه كان بصدد التوسيع.
سجون سوسة الثلاثة لا يتوفر فيها شرط القانون، ولذا تمت بناية سجن آخر متسع جدا لدرجة أن متفقدي المجالس وصفوه بأنه «منحة وليس محنة».
هذه بعض من أعمال سالم بوحاجب القضائية الرائدة. وسوف نجده لاحقا من 6 سبتمبر 1896 إلى 1899 ضمن اللجان المختلطة الفرنسية التونسية المكلفة بتدوين قانون مدني وتجاري. وكان من بين أعضائها شيخ الإسلام الحنفي والباش مفتي المالكي ومفتي مالكي وآخر حنفي ومدرّسين حنفي ومالكي، وانتُخب مقررا لهذه اللجنة المستشرق الشهير دافيد صانتيلاّنا المبرز في الشريعة الإسلامية والقوانين الغربية والتونسي المولد رغم أصوله المالطية. انبثقت عن هذه اللجنة مجلة الالتزامات والعقود الرائدة والفريدة من نوعها في العالم. جرى العمل بهذه المجلة إلى اليوم بفضل الله ابتداء من غرة جوان 1907 بمقتضى الأمر المؤرخ في 15 ديسمبر 1906. والجدير بالذكر أن تونس احتفلت من 12 إلى 15 أفريل 2006 بمئوية هذه المجلة الشاملة للقوانين المحلية والمستأنسة بالقوانين الشرعية والعرف وبالقانون الفرنساوي والمالطي والطلياني والإسباني والبرتغالي والأوروبي عموما.
ولما اعتكف خير الدين التونسي ليتفرغ لكتابة مؤلفه الشهير «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» هذب سالم بوحاجب أسلوب هذا الكتاب الخطابي، وطعّمه بمدلولات فقهية وشرعية، وأتقن تحبيره بلغة سلسة وضّاحة قوامها كما قال الجاحظ أن «أحسن الكلام ما كان قليله يُغنيك عن كثيره ومعناه في ظاهر لفظه». وأكّد خير الدين باشا التونسي إضافة سالم بوحاجب الحاسمة في كتابه الذي اعتمدته أجيال من المصلحين العرب والمسلمين بمثابة أهم المراجع بقوله :«أنا الفكر المدبّر وهو القلم المعبّر». والحقيقة أن الشيخ محمد بيرم الخامس ساهم هو أيضا في تهذيب كتاب خير الدين. وكان دافعهم وقاسمهم المشترك وديدنهم الرفيع خدمة البلاد وإنارة عقول العباد ومقاومة فلول الرجعية والجمود والاستبداد التي كان يجسّمها الوزير الأكبر مصطفى خزندار وزمرته من النهّاب والمرتزقة والمفسدين في هذه الديار.
وسافر سالم بوحاجب إلى إيطاليا حيث أقام سنوات عديدة صحبة الجنرال حسين لمتابعة قضية القائد نسيم شمامة كبير اليهود والقابض العام للدولة الذي فرّ بأضعاف الميزانية. زار في تلك الأثناء فرانسا حيث عاين معرض باريس الكوني سنة 1878 وساح في عديد الدول الأوروبية زيادة عن الأستانة حيث اصطحبه خير الدين معه في مهمة سياسية بالغة الأهمية. ولما اعتزم السلطان العثماني مكافأة سالم بوحاجب بوسام قال له هذا الأخير: «إن حمل الوسام مما لا يرغب فيه أهل العلم ببلادنا، بل يرونه بحكم العادة مُزريا بمقامهم».
وبعد عودته من إيطاليا حيث أقام ما يناهز الثماني سنوات باشر سالم بوحاجب التدريس مجددا بالجامع الأعظم وأصبح يستعمل عديد الكلمات اللاتينية والإيطالية في خطابه أمام الطلاب والعموم، إذ عادة ما يشكر الناس بلفظ «قراتزيي» الطلياني. وحثّ تلاميذه على مطالعة كتاب «الأمير» لماكيافللي الذي أُعجب به كثيرا على ما يبدو، كما كان يستشهد بلوكراس. وقال متغزّلا بحسناء طليانية فاتنة :
أمهات الحسن لما طلعت وسط النهار
جاوزتنا ثم قالت بوناصيري كومصطاري
خالط سالم بوحاجب جيل رواد الحركة الوطنية الناشئة كعلي بوشوشة صاحب جريدة الحاضرة، التي ساهم الشيخ سالم في تدوينها باسم مستعار، والبشير صفر، وعلي ومحمد باش حامبة، وعبد العزيز الثعالبي ومحمد النخلي والطاهر بن عاشور ومحمد مناشو وغيرهم. ساهم في تأسيس الجمعية الخلدونية سنة 1896 وألقى في رحابها الدرس الافتتاحي بمحاضرة حول «دور الإصلاح وطرائق النهضة». ولما زار المصلح العربي الكبير محمد عبده تونس سنة 1884، كان سالم بوحاجب من أول المحتفين به، إلى جانب محمد السنوسي. ولما زار محمد عبده تونس مجددا سنة 1903 «كان أكثر الناس التفافا حوله، والتحاما به، مدة مُقامه بتونس، هم رجال الخلدونية وجريدة الحاضرة، والشيخ سالم بوحاجب، وكانت معرفته به قديمة ورسائله عنه غير منقطعة» على حدّ تعبير المرحوم محمد الفاضل بن عاشور. وتجدر الإشارة إلى أوجه الشبه بين سالم بوحاجب ومحمد عبده فكلاهما، على حد قول السيد علي دب، فضّل السلامة والدعوة الخافتة إلى الإصلاح، وكلاهما عوّل على إصلاح التعليم لخلق الأجيال الواعية، وكلاهما شغل الوظائف الحكومية وتقرّب من الحكم. قال محمد عبده إن الإصلاح لن يكون إلا بالتعليم على الطريقة الأوروبية، ولقد تبنى سالم بوحاجب هذا الطرح فأدخل أبناءه معهد الصادقية، ثم أرسلهم إلى باريس لاستكمال التعليم العصري».
لم يترك سالم بوحاجب آثارا مكتوبة عدا خطبه، كما فُقد كتابه المعنون «الرحلة الإصلاحية» الذي ذكره محمد السنوسي في رحلته الحجازية ونقل البعض منه.
ظل سالم بوحاجب مدرّسا بجامع الزيتونة مدة 61 عاما بالتمام والكمال. وساهم في تكوين أجيال من المصلحين والزعماء الوطنيين وتخرجت على يده طبقات من العلماء والمفكرين. سُمّي مفتيا مالكيا سنة 1905 ثم كبير المفتيين المالكيين (باش مفتي) سنة 1919 فقط عن سن تقارب الخمس وتسعين سنة! ربما لأصوله «الأفاقية» من داخل الإيالة ولمواقفه العقلانية المزعجة لشيوخ الإسلام ومصابيح الظلام...توفي الشيخ سالم بوحاجب في 16 جويلية 1924 عن سن تناهز الثماني وتسعين عاما. كان من روّاد الإصلاح وسيظل ساطعا نيّرا ابيّا في سماء العروبة والإسلام على مرّ الأيام
كتبها عمر الغدامسي في 10:50 صباحاً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: عمر الغدامسي
