سوق الفن و الدين

كتبهاعمر الغدامسي ، في 16 يونيو 2007 الساعة: 19:27 م

 الجنة ليست الآن

 

عمر الغدامسي
في الفيلم الاخير للمخرج الامريكي مايك ديفس حول الرسام مودلياني يحضر بابلو بيكاسو داخل أحد مطاعم مونتبرناس الصاخبة بالبوهيميين والفنانين والشعراء، وتأتي في الفيلم لقطة طلب فيها بيكاسو من النادل فاتورة ما استهلكه أصدقاؤه المجانين، فهو الاكثر شهرة وجاها بينهم. ولما أتاه النادل بالفاتورة سلمه بيكاسو تخطيطا كان قد نفذه في الآن. نظر النادل الى الرسم ثم التفت الى بيكاسو قائلا : انها لا تحمل توقيعك يا سيد بيكاسو، فأجابه الاخير متهكما : هذا الرسم ثمن ما استهلكناه وليس ثمن المطعم. هناك حكايات أخرى من نفس المعنى تروى عن بيكاسو وفنانين آخرين كبار امتلكوا في حياتهم وبفضل فنهم الجاه والمال. فنانين أشبه بالاساطير، عاشوا في مجتمعات مازالت قادرة على صناعة الاسطورة وتجسيدها في أشخاص من لحم ودم. فنانين قد يرى فيهم البعض تجسيدا لجنون الوفرة والغناء اللذين ينعم بهما الغرب، بينما الامر في الحقيقة يتجاوز ذلك بكثير، ولا يمكن فهمه الاّ من خلال استيعاب مفاهيم الحداثة في الغرب وعلاقة هذا الغرب بتاريخه من ذلك ما يذهب اليه الناقد الامريكي توم وولف عندما يتحدث عن ما سماه بعبادة الفن وهو يفسر هذا المعنى بالقول «عندما أقول أن الفن هو دين الطبقات المتعلمة فانني أحرص على أن أتجنب الاستخدام المجازي للكلمة كقولنا أن فلانا يحرص على الريجيم أو التدريب الرياضي حرصه على الفرائض الدينية فأنا لا أستخدم الدين كمرادف للحماس بل ان أشير بالتحديد الى ما حدده ماكس فيبر على أنه الوظائف الموضوعية للدين، نفي للعالم أو رفضه واضفاء المشروعية على الثروة».
ويتحدث توم وولف عن هذه الظاهرة المنتشرة في الغرب والتي بفضلها أصبح الفن سوقا رائجة معابده المتاحف والاروقة، دين له كهنته المخصوصين ألا هم الخبراء والنقاد، حتى ان توم وولف يتوقف عند لقطة Curator الانقليزية والتي تعني مدير المتحف، ليتحدث عن جذعها الديني أي الخوري والذي كان يلتحق بخدمة العائلات الثرية الكاثوليكية في أوروبا ليقيم لها القداس اليومي في البيت.
ان مفهوم ماكس فيبر للدين كوظيفة لنفي العام أو رفضه واضفاء المشروعية على الثروة، شد مجال تطبيقه على تلك الثروات التي كان يوصي بها الاثرياء لفائدة الكنائس لتصبح موجهة للمتاحف والمؤسسات الفنية ويعيد توم وولف تاريخ عبادة الفن الى منتصف الخمسينات من القرن الماضي، أي بعد نهاية الحرب الكونية الثانية انه التاريخ الذي جعل فنانين احياء آنذاك مثل بيكاسو ودالي أو فنانين عظامهم رميم مثل فان غوغ يتحولون الى أساطير يستعيد من خلالها ذلك الغرب بعده الروحي وقيمه الخالصة عن الفردانية والحرية، واعتزازه بذاته في هذا العالم الذي لا يوجد فيه مركز غيره… ولأن الشجرة لا تحجب الغابة، فعلينا أن نستحضر وفي هذا الغرب ايضا كثيرا من الفنانين المهمين والمبدعين ممن بقوا على الهامش وذلك لأن الجنة ليست ال
آن.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سوق الفن | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر