لوحات الفنان خمت محمد علي

كتبهاعمر الغدامسي ، في 23 يوليو 2007 الساعة: 00:37 ص

  البدء …  الفوضى..

بالطابق العلوي من رواق الشريف بسيدي بوسعيد تواصلنا مع  معرض الرسام العراقي الاصل المقيم بباريس هيمت محمد علي
، انه المعرض الشخصي الثاني له ببلادنا بعد معرض أول كان قد نظمه برواق الباسيو منذ اكثر من سنة. واذا كان في ذلك المعرض الاول اكتفى بتقديم أعمال من الحجم الصغير. فانه في المعرض الحالي قدّم اعمالا أكبر حجما.
تبدو لوحات هيمت وكأنها قصائد قادمة من الشرق البعيد بغموضه وروحانيته ببساطته ونفاذ تعبيريته انه يرسم بروح الشاعر وبقلب من يكتب قصائد الهايكو.
«في البدء كانت الفوضى»… ذلك ما جاء في الكتاب المقدس. حيث ينشأ العالم من الفوضى والعدم ليصل الى ذروة النظام والدقة حيث كل شيء بميزان… تماما بمثل هذا البدء ينشىء هيمت لوحاته لطخات لونية. بقع وفقاقيع، خطوط كثيفة.
آثار يتركها الرسام على بياض الورقة وكأن الأمر لديه تحرر من كل مرجعية وتفكير وتبعية… تبدأ اللوحة عنده وكأنها انغماس في العفوي والطفولي واللاجدي. وكأنها لحظة لانعتاق الجسد تماما مثلما يفعل روتكو وجماعة الفن الحركي.
بعد هذه المرحلة يخضع الرسام هيمت فوضاه لرحلة اخرى يخضعها فيه للنظام. وذلك باعتماد تقنية القص والكولاج اذ يتحول عالمه الفوضوي والحركي الى مكعبات واجزاء قصيرة يعيد ترتيبه وفق توافقات تجعل منها اشبه بالقطع الموسيقية المتناغمة او القصائد الشعرية الموزونة بميزان توازن اللون اي الضوء والحركة.
من يتمعن في الكولاج او تلك الملصقات التي ينفذها هيمت يلاحظ تلك الدقة التي يعمل بها الرسام. دقة من يرصّف ملصقاته على سطح الحامل دون ان تفقد كل قطعة تلك المسافة المليمترية المتناهية الصغر والمكشوفة في ذات الوقت بين ملصق او آخر. انه الشغف والدقة. لكنه ايضا ليس الاصطناع او البلاغة. ذلك لان لوحات هيمت تقوم على عنصر اساسي هو التوليد والتكرار. فبين مربع وآخر اختلاف رهيف وخاطف في هيئة لمسة خطية او بقعة لونية. وعنصر الفراغ المليمتري الدقيق يلعب دورا بصريا اساسيا كذلك الذي تلعبه تلك الفراغات الفاصلة بين المكعبات في الفسيفساء.
البدء في عملية الانشاء لدى هيمت هي الفوضى والتي تعني الانغماس في اللحظة واطلاق انفعالات الجسد. اما النظام الذي يعقب الفوضى فهو اشبه برحلة اكتشاف وترميم لتلك اللحظة المنفلتة والتي لن تتكرر ابدا. ويستحيل استعادتها فعنصر التكرار والتوليد لدى هذا ا لفنان اشبه بطقس من العزاء. ورحلة استعادة للحظة فكما ان النقطة اصل كل خط وحرف فان المفردة الملصقة اصل كل لحظة وفوضى.
النظام هو التأليف في لوحات هذا الرسام هو أقرب الى الأفق الذي يشرع امام ابصارنا وقلوبنا ابواب الشعر والموسيقى حيث النظام يعني كما في التشكيل التوازن والتناغم انه نظام حسابي وذهني دقيق يمنحنا الصفاء والارتواء والحكمة.

عمر الغدامسي

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فن معاصر عربي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر