فوتوغرافيا الحرب
كتبهاعمر الغدامسي ، في 22 أغسطس 2007 الساعة: 13:24 م
عندما تصفع عبثية الحرب وجوهنا
مي غضوب

أنا علي يقين من أن صورة سبنسر بات، الفائزة بالجائزة العالمية للصورة لسنة 2006، بدت للوهلة الأولى مدعاة إزعاج أو اشمئزاز لغالبية من شاهدوها. أقرّ بأنها قد أغاظتني عندما رأيتها للمرة الأولى على شاشتي. ولكن أقر كذلك بأني تابعت التمعن فيها. ما الذي أثار فضولي في هذه الصورة بالرغم من اشمئزازي غير المعلّل منها؟ ولما شعرت بأنه علي الكتابة حول ما أراه في هذه الصورة؟ بدأتُ بترصد ردود الفعل الآخرين.
تلقيت الصورة بالبريد الإلكتروني من فتاة لبنانية علّقت قائلة: جائزة لصورة أميركية للبنان! أخمّن أنها عنت أن وراء الصورة والجائزة أمرا مريبا أو ضربا من مؤامرة.
زميلي، الذي سمعني أصيح في وجه الكومبيوتر "يا إلهي!"، اقترب وألقى نظرة سريعة ثم قال دون ثانية من تردد: يذكرني هذا بـ"متمرد بلا قضية". هل تذكرون ذلك الفيلم الذي اضطلع ببطولته جيمس دين، الذي كان آنذاك في الأوج، شبابا وجمالا؟ لا بد أن السيارة المكشوفة هي التي أوحت بهذه الملاحظة، وكذلك الشابات على متنها.
قلت لنفسي هناك شيء مستغرب في ملاحظة زميلي، إذ أنه لا تكفي رؤية سيارة فارهة وبعض الوجوه الجميلة لاستذكار جيمس دين ونجوم هوليوود. ولكني، بعد برهة، تنبهت إلى أن ملاحظته ليست سخيفة: إذ يكفي أن تفكر في السيارات، وفي جمال الشباب… كما يكفي أن تفكر في الموت، وسيكون لك سبب وجيه لاستذكار جيمس دين وتمرّده.
بعد زوال نفس ذلك اليوم، حضرت حفلا أقيم بمناسبة الانتقال إلى بيت جديد واسترقتُ السمع إلى شابين لبنانيين كانا يخوضان في نفس الصورة. كلاهما كان في عشرينياته و"كوسموبوليتيّا" جدا. قال أحدهما: أعتقد أنها صورة عظيمة، تظهرنا كما نحن، ليس فقط كأناس مرتبطين بالحرب والدمار. في حين كان الثاني شديد الاستياء وقال: إنه "الاستشراق الجديد" –بدل نساء الرسم الاستشراقي الكلاسيكي كما في لوحات دولاكروا، لدينا الآن هؤلاء النساء اللبنانيات العصريات، كعارضات الأزياء، على خلفية الحرب والدمار.
فازت الصورة بالجائزة في التاسع من فبراير 2007 لأنها، على ما قالت لجنة التحكيم، تُبرز تناقضات لبنان. وقد وصفت رئيسة لجنة تحكيم "الجائزة العالمية للصورة الصحفية"، ميشيل ماكنلي، الصورة الفائزة بأنها "صورة يمكنك أن تظل متمعنا فيها. إذ فيها تعقيد وتناقضات الحياة الحقيقية، في كنف الفوضى. هذه الصورة تجعلك تنفذ إلى ما وراء ما هو بديهي."
وذلك صحيح إلى حد بعيد. فالصورة تبرز فعلا تناقضات بلد يتجاور فيه على نحو لا يُطاق الدمار والولع باللهو، أو أنهما يتداخلان كأقصى ما يكون التداخل. الخلفية بنّية ورمادية، كما هي في الواقع… مثل مأساة مدمِّرة من الأنقاض التي تمازج ألوان حياة حميمية فُقدت. السيارة فاقعة الحمرة، والتي-شيرت الأبيض لفتاة السيارة وكذلك المنديل التي تضعه على أنفها الفتاة ذات الثوب الأسود الكاشف عن زنديها، أنصع بياضا من تي-شيرت الشاب العابر والمنصرف إلى روتين حياته اليومية. ذلك العابر، مثله في ذلك مثل المرأة التي تضع غطاء الرأس، يعيشان في الجوار المدمَّر. أما سائق السيارة المكشوفة، فأشبه بمغني بوب أو بإحدى شخصيات برنامج ستار أكاديمي التلفزيوني. لو أراد المصور أن يفتعل مثل تلك التناقضات، لما اهتدى إلى أفضل من ذلك.
ومع ذلك، لو كنت عضوا في لجنة التحكيم، لما قدمت هذا التسويغ لهذه الصورة المُجازة. ما هو لافت في هذه الصورة إنما هي الكناية التي تجترحها عن التصوير الحربي. فهي تفصح لنا عن تلصص المصور، عن فعل التقاط الصور في أوضاع مأساوية: إن وُجد من تناقض، فهو في ذلك اللقاء بين الفن والجمال والمأساة. تغطية الكوارث من أجل إبداع صورة مثيرة، ذلك ما برع فيه روبيرت كابا أكثر من سواه، حتى أضحى أيقونة في ذلك المضمار، وأصبحنا نحن، ممن نشاهد صوره، مدمنين على ذلك الشكل الفني.
هذه صورة، مرآة للذات، تمعّن مقلوب التُقط باندفاع أهوج أو "بدم بارد" من قبل المصور الفنان. فعل التقاط الصورة من قِبل سبنسر بلات ينعكس في، أو يُرى من خلال الفتاة، ذات القسمات المتشجنة والجسد المتوتر، وهي تلتقط نفس صور الدمار من مقعدها داخل السيارة الحمراء. هل تساءل المصور حول سلوكه، وهو يُظهر تلصص شخص آخر، غير محترف؟ هل يريد أن يقول أن حاجة المتلصص إلى معاينة البؤس الإنساني والمعاناة، وجعل الآخرين يرونهما عبر عينيه، متأصلة فينا جميعا؟
قد يكون ذلك الحضور السافر للتلصص هو ما استثار رد فعلي الأول، النابذ لشهادة قُدمت لي قبل أن يُتاح لي متسع من الوقت للنظر إليها. على نحوٍ ما، خطرت في بالي صور هلموت نيوتن، بالرغم من أنه لا يوجد أدنى ملمح إيروتيكي أو بورنوغرافي في صورة بلات. الآن أستطيع أن أتبين أين أسأت التقدير ومصدر اضطرابي، وكيف احتجتُ إلى التمعن أفضل كي أتبنه إلى التلميح إلى التلصص وفن الكاميرا، وهو ما يجمع بين نيوتن ومصورين آخرين لدى ابتداعهم صورا للصحافة.
ليس في الصورة، عند معاينتها عن كثب، ما يصدم: إذ عندما يواجه الفن المعاناةَ الإنسانية، ولا يميز المأساة عن سخرية البقاء… عندها، تصفع عبثية الوجود وجوهنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فن معاصر | السمات:فن معاصر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 26th, 2007 at 26 أغسطس 2007 3:42 م
الحياة بطبيعتها تناقضات ولكن وصل الأمر بهذه التناقضات حدا لا يطاق
المصير مجهول والإنسان مقهور
نورطه
http://nourelayet.maktoobblog.com/