نقاد الوهم

كتبهاعمر الغدامسي ، في 11 سبتمبر 2007 الساعة: 10:15 ص


النقد الحميمي علي سرير بروكست 
 نقاد الأكاديمية ((1

عمر الغدامسي

علي إثر مقالي المنشور بجريدة القدس العربي بتاريخ 27 آذار (مارس) تحت عنوان فرعي هل بدأنا عصر الناقد بتفويض أجنبي وتحت عنوان رئيسي من الشارقة والقاهرة قائمة بأسماء نقاد تونسيين وهميين طالعت وفي باب الرد ما نشره أولاً نزار شقرون تحت عنوان توضيح التهافت في حمي النقد الجرائدي بجريدة القدس 2 نيسان (ابريل) ثم تاليا محمد بن حمودة في معني النقد الفني هل أصبح الوسيط هو الرسالة؟
من باب التذكير، فإن مقالنا المنشور كتبناه علي إثر ما تم الإعلان عنه في الشارقة خلال شهر كانون الاول (ديسمبر) المنقضي من بعث حالة تجمعية للنقاد العرب، ضمت قائمتها ممثلين عن النقد في تونس. هذا وقد تلخص مضمون مقالنا في التأكيد علي أن أغلب من ضمتهم القائمة من التونسيين لا علاقة لهم بالنقد وتعوزهم النصوص النقدية التي تؤكد انتماءهم للمشهد التشكيلي التونسي، وذهبنا في مقالنا للتأكيد بأن القائمة أعدت وفق حسابات جهوية ومهنية من نسج بعض المنتحلين لصفة الناقد.
صدقا لم أرغب في كتابة هذا الرد، ذلك لأن ما احتواه رد شقرون وبن حمودة يمكن اختزال أغلبه إما في:
ـ بعث إشارات عامة ومفتوحة علي أكثر من تأويل لرسم أو تسويق بورتريه حول شخصي لدي القارئ العربي، بما يجعل أي رد علي تلك الإشارات العامة والهلامية، أشبه بالوقوع في الجب حيث سيكون الرد عليها كالآتي: أنا لم أقصد ذلك.. أنا أتحدث عن شيء عام .
ـ قيام كل واحد منهما بالنبش في سيرته الذاتية للتعريف بنفسه وكم كانت العملية شاقة بالنسبة إليهما. وقد كان عليهما اختزالها في ذكر نصوصهم النقدية التي تؤكد انتماءهما للممارسة التشكيلية في تونس.
لقد ذكر بن حمودة نصوصا ـ قال بأنها نقدية ـ حول فنانين من بلدان عربية لا يحضر ضمنها فنان تونسي واحد، أما نزار شقرون فقد اكتفي بذكر رسام تونسي واحد هو رؤوف الكراي، حيث قال وبالحرف الواحد: إني كتبت عن تجربة صديقي الفنان رؤوف الكراي عشرات المقالات وكلامه هذا يجعلني أتفهم بعمق حساسيته تجاه ما وصفه بالماخور النقدي، ذلك لأنه يؤمن بأحادية العلاقة الزوجية، عفوا العلاقة النقدية، فهل إن تجربة رؤوف الكراي ـ مع احترامنا لها ـ من العبقرية ما يجعلها تستحق عشرات المقالات من طرف شخص واحد. أم أن شقرون الأكاديمي والشاعر عاجز عن تبليغ المعني في مقال واحد أو حتي خمسة مقالات.
سواء في رد شقرون أو بن حمودة، ثم تصويري كصحافي عصامي، بما يمكن أن يستتبع ذلك من استنتاجات تصب فيما هو تهافت ومذهبية صحافية، متناسين كل تلك الندوات والملتقيات التي شاركتهم أشغالها كمحاضر، أو تلك الندوات التي نظمتها أو ما نشرته من دراسات حول الفن والفنانين التونسيين وما أكتبه دوريا حول المسائل النظرية والمادية التي تهم فنوننا التشكيلية.
لعل أهم ما تناساه بن حمودة وشقرون، هي صفتي كفنان تشكيلي وقد كان شهر شباط (فبراير) 2006 تاريخ آخر معارضي الشخصية وكان برواق الضامة والذي يشرف عليه الشاعر والفنان سيلفان مونتليوني والذي هو أيضا أستاذي في تقنيات الفن بالمعهد الإيطالي دانتي اليغياري في أوائل التـــسعينات بخـــلاف هــــذا المعرض الأخير، فإن لي مشــــاركات دولية عــــديدة كان آخــرها بينالي طهران الدولي.
أما محليا فإنني أشارك دوريا ضمن معارض الفضاء الحر بالتياترو ومديره المسرحي القدير توفيق الجبالي ويشرف علي قسم معارضه الفنان والناقد محمود شلبي ويتميز هذا الفضاء بأنه يجمع فنانين خارج تحديدات وحواجز من نوع هذا أكاديمي وهذا عصامي، أو هذا مشهور وذاك مغمور لأنه يعتمد مقياسا أساسيا ألا وهو الأصالة في التعبير والحرية الذهنية والروحية. لذلك فإننا نجد من بين عناصر هذا الفضاء فنانين يعتبرون من بين أهم ما أنجبت حركة الفن بتونس أمثال الفقيد الحبيب بوعبانة ونجيب بلخوجة والأمين ساسي وإلي جانبهم شبان بعضهم أصبح اليوم يحتل مكانة ملفتة ومقصد أكثر الأروقة التونسية احترافية وأذكر هنا أسماء مثل محمد بن سلامة، نبيل الصوابي، حليم قارة بيبان، وعبد العزيز المحسني، بعضهم عصامي وبعضهم الآخر متخرج من المعاهد العليا للفنون الجميلة. ضمن هذه التجربة المتميزة للفضاء الحر بالتياترو والمستمرة منذ أوائل التسعينات كان هناك نبض جوهري. لم يكن النقد ببعيد عنه. انه نبض من يقرؤون النصوص والدنيا في آن وافتح هنا قوسا لأقول بأنه لا يجب تصوير هذا السجال والذي احتضنته مشكورة جريدة القدس علي أنه سجال بين عصامية وأكاديمية، كما ذهب إلي ذلك شقرون وبن حمودة، فكم من عصامي التقي مع أكاديمي في التفكير النمطي والمدرسي أو في الرؤية الغيبية أو الأخري الانتهازية والتي كانت في الأول مقصد مقالنا عندما اتهمنا بن حمودة وشقرون بالادعاء وانتحال صفة لا يملكانها.

النقد في نفق ساباتو
من قرأ مقالي المنشور بجريدة القدس سيكتشف وبسهولة كيف انني لم أتطرق لصفتي كفنان تشكيلي واذكرها الآن لكي أستحضر رواية النفق لأرنستو ساباتو، حيث يورد علي لسان بطله وهو رسام ما يلي: أمقت من بين الجماعات كلها، جماعة الرسامين بصورة خاصة لأنني بطبيعة الحال أدري منهم، ومن المعروف أن المرء يمكن أن يكره بحق من يعرف تمام المعرفة. كذلك لدي سبب آخر لكراهية النقاد، فهم وباء لم أتمكن من أدراك كنهه إطلاقا. لو كنت جراحا كبيرا، وجاءني رجل لم يسبق له أن تناول مبضعا قط، لا هو طبيب ولم يجبر قائمة هر أبدا، ليبين أخطائي في عملية جراحية فماذا عساكم تتصورون ؟… يحدث الأمر ذاته في فن الرسم، والغريب أن الناس لا يلاحظون ذلك فعلي الرغم من أنهم يهزؤون من ادعاءات ناقد الجراحة هذا، تراهم يصغون باحترام بالغ إلي أولئك الثرثارين .
هكذا وفي غياب المعرفة بأحد المكونات الأساسية للممارسات التشكيلية بمكوناتها المادية (مواد، خامات، حوامل،…الخ) غير الحيادية والتي تنصهر وفق رؤية الفنان لتنتج المكون البصري ضمن حالة فريدة من التوافق بينها وبين الحواس وصفها جيل دولوز(2) باللحظة المهمة في الرسم، وهي لحظة تساوي فيها العين اليدين دون نقصان (3) وذلك في درسه المقدم بتاريخ 28 نيسان (ابريل) 1981، وهي لحظة أساسية ضمن أساليب ومرجعيات الفن الحديث والمعاصر، حيث أن عناصر مثل المفاجئ والمنفلت والحدثي أساسية في عملية التمشي الفني الذي يمكننا تبسيط حيويته، والتي لا يمكن للنقد المعاصر القفز عليها، في مقولة شارلي شابلن الشهيرة: قبل أن أعرف إلي أين أنا ذاهب ينبغي أن أصل إلي هناك لعل عدم وعي عديد من يكتبون حول الفن بمثل هذه العناصر الأساسية هي التي جعلتهم لا يجدون البصري في البصري أي الأثر. بل فيما هو نصوص هائمة صالحة لكل مكان وزمان وهذا موضوع انتبه إليه الفكر منذ عقود ونذكر هنا مؤلف جيل دولوز الحقيقة في التصوير والذي تعرض فيه لتحليل هيدجير حول لوحة الحذاء لفان غوغ فقال أن هيدجير لم يشاهد اللوحة جيدا لأن فان غوغ لم يرسم زوجا من الأحذية الفلاحية النسائية، فنحن لا نعرف إذا كان من يرتديها رجل أم امرأة في الأساس. بل وابعد من ذلك إنهما لا يشكلان معا زوجا من الأحذية، لأنهما لنفس القدم اليسري فهما فردتان متشابهتان . (4)
تغييب العناصر الهامة في الأثر البصري هو الذي جعل جوزيف بويز يقوم في أحد معارضه في الثمانينات بجلب أرنب ميت إلي قاعة العرض ليملي عليه دروسا في الفن.
لقد جاء الفن الحديث كنوع جديد من الرسم يكشف طبيعة الادراك أكثر مما يكشف طبيعة الشيء المدرك ويفسر ألان باونيس أستاذ تاريخ الفن الحديث بجامعة لندن ذلك بقوله: لقد كان كوربييه يعلم أن لون الحشيش أخضر وذلك هو منتهاه. لكن مونيه ورينورا رأيا ان ذلك الحشيش قد يبدو رماديا أو أصفر أو أزرقا قياسا بالضوء الساقط عليه وهذه الرؤية هي أصل الثورة في رسمهما . (5)
أما في الفن المعاصر فلقد كان بازليتس يقلب لوحاته كموقف من الطريقة التقليدية في النظر للوحة والمرتبطة بذاكرة التعامل مع العمل الفني عموما. فهو يري أن العمل الفني المشحون بطاقة ما يتحول إلي كيان مادي مستقل. فهو ليس نصا عن العالم وإنما هو جزء من هذا العالم نفسه وفي ذلك تأكيد علي الحضور المادي للعمل الفني واستقلاليته عن الملتقي وعن معايير الحكم علي القيمة الفنية، وهذا ما تؤكد عليه تجارب وتوجهات الفن المعاصر منذ مارسال دوشامب والدادائية إلي غاية اليوم.
طبعا كل هذه المفاهيم غير مهمة بالنسبة لشقرون وبن حمودة بسبب تمثلها الأكاديمي جدا لمعني النقد والذي يعني لدي شقرون وكما جاء في رده أنا لا أكتب إلا عن التجارب التي استشعر بحميميتها أو بالنسبة لبن حمودة: في أول مناسبة كتبت بشكل حميمي فلكي أغنم صداقة اعتز بها لليوم ليضيف في موقع آخر من مقاله تعريفا إضافيا للنقد قائلا: فالنقد تقويم والتقويم هو أخطر الأفعال وأهمها لأنه يفترض الإحاطة بموضوعه من كل جوانبه .
اختزال النقد في عنصر التقويم هو إغفال لعناصر أساسية في كل قراءة نقدية تهم ما هو بصري أي الوصف والتشريح والتي هي المنطلق لما هو تقييم وقراءة وتنظير.
أن يقوم النقد علي الحميمية والصداقة، فهذا أمر لا يمكننا التعليق عليه، لأنه يدخل في سياق ما هو علاقات شخصية أما أن يكون النقد تقويما حسب بن حمودة فإن ذلك يستوجب منه عرض ما قومه في اعمال من ذكرهم من الرسامين العرب وهو الذي لا يملك القدرة علي الإحاطة بموضوعه (أي الأثر) من كل جانب. تذكروا ما قاله بطل النفق في رواية ساباتو. بقي هناك سؤال أساسي آخر، يخص الكيفية التي اتصل من خلالها شقرون وبن حمودة بأعمال من كتبوا عنهم من الرسامين العرب. هل من خلال صور فوتوغرافية أو كتالوجات أو عبر صور مرسلة بالانترنيت. سؤال لا يبدو مهما إلا لمن يولي أهمية للأثر البصري.

الفن في مجتمع المشهد
اختزال النقد فيما هو حميمي وصداقة يفرغ الفن من دلالاته ومعانيه الجوهرية بوصفه خطابا وطريقة في التفكير ويجعله مجرد منتوج سلعي ومجرد فاصل من مجتمع المشهد فالنقد معني يجسم العلاقة بين الأثر بشحناته الدلالية والقيمية كخطاب صامت وبين الحيز الثقافي الذي ولد ضمنه بما يضمه ذلك الحيز الثقافي من خطابات متعددة سائدة أو هامشية، متحررة أو محافظة، طلائعية أو جاذبة. وهذا ما جعلنا دوما نؤكد علي عدم حيادية النقد أو اختصاره كجهد تقني وصفي.
فالنقد هو بالأساس خطاب انتماء واندماج ضمن رؤية تخص المجتمع والعصر، الحياة والوجود. وأعتقد أن هذا المفهوم للنقد غير الحيادي، هو الذي جعل النقد الأكاديمي ينكر تجارب المرفوضين وهو الذي جعل النقد المحافظ يرفض أعمال الوحشيين وغيرهم.
تغييب هذا البعد الجوهري في الفن كما في النقد جعل الغلبة في فنوننا لما هو تزيين وصناعة للصور وتبضيع وتسويق، لذلك فليس من باب الغرابة أن يتم التركيز لدي بعض أكاديميينا علي طرح مسألة سوق الفن وعقد الندوات حولها، متناسين أن القيمة المادية المتحققة اليوم للفن في الغرب راجعة إلي تلك القيمة الرمزية والتاريخية التي يحملها الأثر الفني، فما نعتبره نحن سوق فنية متطورة وهائلة في الغرب هو استثمار مادي لما هو رمزي وتاريخي لمجتمعات ممتلئة بانجازاتها الراهنة والماضية إلي حد النرجسية أليس كل أثر فني هو انعكاس أصيل لعصره.
لقد شاركت شخصيا في ندوة سوق الفن التي تحدث عنها بن حمودة في رده وقد حملت مداخلتي عنوان النقد وسوق الفن الجسور المتصلة والمقطوعة ومن باب الفذلكة حينها وربما من باب قول ما يجب قوله في إشارات مكثفة أعلنت عن تحوير العنوان المقدم لمداخلتي لأنه بدا لي مملا طويلا فكان العنوان الجديد كالآتي: النقد التابع والمحنط في علاقته بسوق الفن. الالدورادو الضائعة. مغارة علي بابا والأربعون مليون بيروقراطي ونصف المليون فنان… الجسور المتصلة أو وافق شن طبقة .
طبعا، القارئ العربي لا يمكنه الإحاطة بما حمله هذا العنوان المقتضب من إشارات، لكنه يكفيني القول بأن ما يسمي بسوق الفن في تونس يتأتي الجزء الأكبر من أمواله من الدولة عبر لجنة اقتناءات تشرف عليها وزارة الثقافة، وكل الفنانين، مهما كانت تجربتهم يعتبرون أنفسهم معنيين باقتناءات الدولة لأعمالهم. وعمليات الاقتناء تخضع لمعايير مختلفة ومتنوعة.
سواء في رد شقرون أو بن حمودة، ثم تقديمي كعصامي وكم أخجلني واحرجني هذا الوصف، إذ ماذا تساوي عصاميتي أنا أمام عصامية أفذاذ أمثال بيل غيتس ورولان بارط وحنا مينة وفان غوغ والسينغالي العالمي عثمان صو الذي اكتشف النحت بعد أن تجاوز سن الأربعين، ماذا تساوي عصاميتي أنا أمام الآلاف المؤلفة من رجالات الفكر والفن والاختراع؟… لكن أليست العصامية معني قبل أن تكون صفة؟
نعم أنا عصامي، ذلك لأنني بلا عظام كما قال العرب القدامي (6). فما هي عظام أمثال شقرون وبن حمودة أنهم وكما يقول فيصل دراج في نص عنوانه الناقد الهاوي والناقد المحترف يتراءي فضاء الاختصاص المغلق في علاقات كثيرة تـُجـَانِسُ المختصين اللقب والموضوع الذي يتوارثونه عارفا من عارف من دون تبديل أو تحوير أساسيين…، وبداهة فإن الخبير لن يأتي بجديد، ذلك انه يقارب بين نص ونص وبين نظرية ونظرية ويعطف قولا أكاديميا علي قول أكاديمي آخر، وحين يخرج من فضاء النظرية إلي حيز التطبيق، فإنه يقرأ النص علي ضوء قراءة أخري جاهزة، مؤكدا النصية الثابتة مبتدأ للقراءة والخبرة (7). أليس هذا ما ينطبق علي نصوص بن حمودة الذي نراه في رده يستعرض ملخصاتها ليقول لنا من هو. فنجده لا يكتفي باستعارة مفاهيم غيره في ترجمات ركيكة وضمن توليفات متحذلقة ليرضخها لاستنتاجات تدعي التأمل والتفكير في ما هو خاص من ذلك أنه يرضخ مفاهيم وتحاليل ريجيس دوبرييه حول تاريخية علاقة الفن بالموت في الثقافة الغربية بجذورها اليونانية الرومانية وفي الحضارات القديمة كالفرعونية ليصل إلي استنتاجات تذكرنا ببروكست(8) وسريره في الأسطورة اليونانية إذ يقول: لازال الفنانون في المجتمعات العربية الإسلامية يشاركون جميع الناس نفس المنوال الجنائزي، أي نفس الصلاة علي الميت ونفس مراسم الدفن ونفس التأبين، وخاصة نفس قانون الأحوال الشخصية، إذ لم يتحول الموت في أوطاننا إلي مسألة فكرية فيخضع إلي مقاييس الفكر هكذا فإن النظرية من وجهة نظر بن حمودة تدعو فنانينا إلي دخول طقس الطائفة، وهذا عين السلخ بمشرط الحداثة.
 في رده يتساءل بن حمودة عن السبب الذي جعلني انشر مقالي في صحيفة القدس وليس في ملحق الرواق الذي أشرف عليه، وذلك ليصل إلي الاستنتاج الذي يقول فيه: هل تتسع الصفحة التشكيلية التي يشرف عليها عمر لمجمل قضايا الممارسة التشكيلية، فإذا كانت هذه الأخيرة أوسع بكثير من صفحة تشكيلية، فإنه حتي في حال أشرف عليها شخص واسع المقبولية ومعني بما هو كلي فلن تتحول الجريدة إلي كتاب ولن يصبح المنبر المدني منبرا مختصرا ومستنيرا.
من الواضح أن السيد بن حمودة لم يقرأ جيدا مقالي في جريدة القدس. وربما هو تغافل علي ما قرأه في ملحق الرواق حيث أنني كتبت في موضوع انتحاله لصفة ناقد تونسي وقائمته الجهوية في مناسبتين. كذلك نشرنا في نفس الموضوع مقالين الأول حمل إمضاء الرسام إبراهيم الغزابي وقد ذكره فيه بالاسم والثاني حمل رأي الباحث ومؤرخ الفن حسين التليلي. كل ذلك قبل نشرنا المقال الصادر بجريدة القدس. وقد قامت جريدة الشعب الناطقة باسم الاتحاد العام التونسي للشغل بنشره مشكورة.
أما ملحق الرواق، فإنه ليس مجرد صفحة كما ادعي بن حمودة بل هو أربع صفحات بحجم التبلويد. يضم أركانا متعددة إخبارية وتحليلية وهو ينشر دوريا نصوصا معمقة لفنانين مختصين وأكاديميين نجحوا بسبب شغفهم في تطويع معارفهم؛ وملحق الرواق الذي تجاوز عقدا من الوجود اجتهد ولا يزال في أن يكون مرآة عاكسة لما يجول في المشهد التشكيلي التونسي من رؤي وتوجهات، ذلك لأنه منبر وهو محل استفادة عديد الطلبة والمهتمين، بدليل صدور دراسات جامعية حوله سواء في المعاهد العليا للفنون الجميلة أو في معهد الصحافة وعلوم الأخبار.
من حق بن حمودة أن لا ينتبه لأهمية مثل هذه الوسائط ذلك لأنه لا يمتلك وعيا بوظائفها وهو الذي يدعي المعاصرة مما يجعله يسقط في مقارنات تفضيلية بين الصحيفة والكتاب وحتي الندوات غير عالم أو متناسيا أن الوسائط ما هي إلا ظواهر تاريخية بالأساس تتحول وتنمو وفق تطور البشرية وذلك منذ الألواح الطينية وصولا إلي الوسائط الاتصالية الحديثة كالانترنيت والمدونة التي يمكننا من الآن التنبؤ بما يمكن أن تحدثه من انقلاب راديكالي في مجال الاتصال وحرية التعبير وأنا أدعو بن حمودة وشقرون إلي قراءة، أو إعادة قراءة، كتاب ريجيس دوبرييه الميديولوجيا (9) والذي هو أيضا من الكتب المرجعية في تاريخ الفن وافتح هنا قوسا لأتحدث عن تاريخ الفن، فالأخير اختصاص أساسي في تكوين كل ناقد، إلا أن هذا الاختصاص غير موجود في تونس باستثناء بعض الدروس التي يقع توصيفها بدون أي مواصفات أكاديمية جدية بأنها شهادات في تاريخ الفن كما ذهب إلي ذلك الناقد والباحث طارق الكحلاوي، الأستاذ بجامعة بينسلفانيا الأمريكية والذي اعتز شخصيا بمقالاته المنشورة بملحق الرواق.
منذ سنتين وتحديدا يومي 18 و19 نيسان (ابريل) 2005 نظمت جامعة لياج البلجيكية ومركز والون للفن المعاصر ندوة حول النقد والوسائط الاتصالية وكانت من بين المداخلات المقدمة في الندوة مداخلة للناقد جاك باريس Jacques parie، تحدث فيها عن دور الناقد معتبرا إياه أحد مكونات من اسماهم بـ عملة الثقافة الذين لا يعتبرون الثقافة ميدانا مخصوصا لأصحاب الامتيازات المادية أو التعليمية أو العائلية، بل هي ميدان يتسع لكل مهتم شغوف راغب، مثلا، في تخطي رواسب اليومي نحو ما هو روحي إذ علي الناقد أن يقول لهؤلاء تعالوا، وذلك بوازع تحقيق العدالة لهذا الجمهور الذي يستحق أكثر مما تقدمه له صفحات الرياضة والموضة والوصول إلي هذا الجمهور هو الذي يمنح للناقد غبطة أصلية.(10)
ربما بن حمودة، لا يعرف أين نشر شارل بودلير نصوصه النقدية ربما لأنه نشرها باسم مستعار هو دايفوس بودلير لكن هناك أيضا بلزاك ولعله ليس من باب الصدفة أن ترتبط ولادة الفن الحديث مع الانطباعيين ونصوص بودلير النقدية، والتي جذورها مستمرة إلي غاية اليوم، بما شهده المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر من تنامي لحرية التعبير والمواطنة وتطور تقنيات الطباعة وظهور الصحف والدوريات بما لم يشهده التاريخ من قبل. ثم أليس كل ما في داخلنا وما يحيطنا هو وسيط، يعبر من خلالنا ونعبر من خلاله، بدءا من الحواس والهواء الذي نتنفس وصولا إلي اللغة والأثر الفني مرورا بالجريدة والكتاب وحتي الأكلة. إن الانعزالية والغياب تجعل الذهن عاجزا عن الإنصات لروح العصر والتأثير فيه إيجابيا. فالمثقف والناقد الشغوف الملتزم يمكنه تطويع مناهجه وأفكاره لأي وسيط ولعل هذا ما ذهب إليه عبده وازن في مقال عنوانه عزلة النقد استهله كالآتي: أوغل النقد في المعميات نظريا وتطبيقا وأضحي بعيدا عن تناول القراء علي اختلافهم، ليصل عبده وازن في نهاية مقاله إلي ذكر أسماء نقاد عديدين أدركوا النخبوية التي تحاصر أعمالهم فخرجوا إلي الصحافة المكتوبة متكئين علي ثقافتهم الشاملة والعميقة ومستعيدين بعض ملامح النقد الانطباعي الحدسي ويذكر هنا أسماء تزفتان تودوروف وامبرتو ايكو وجوليا كريستيفا وفليب سولزر ومن العرب جابر عصفور ومحمد برادة وفيصل دراج وعبد الله الغذامي(11). لو كان بن حمودة وأمثاله غير منتحلين لصفة الناقد بكل ما تعنيه تلك الصفة من مكابدة وإنصات ومعايشة وامتحان للمفاهيم والنظريات لاعتبر نفسه محظوظا للعيش في هذا العصر الذي فتح أمامنا كل هذه الدروب الاتصالية التي نسفت كل الحدود. أما لو كان فنانا ـ وهي صفة لم يدّعها ولله الحمد ـ فإنه سيشعر بنخوة الانتماء لهذا العصر الذي أصبحت فيه الفنون كما الآداب أكثر التصاقا بأساليب كانت وإلي حد قريب منتمية إلي الحقل الإعلامي كالريبورتاج والشريط التسجيلي أننا نعيش في عصر فقدت فيه الأنساق المعهودة الكثير من صلاحيتها وفقدت فيه عديد الوظائف الكثير من مشروعيتها بما فيه وظيفة النقد، نحو مفهوم جديد يسمي القراءة الثقافية التي تأخذ في الحسبان ما يجول حولنا من تفاعل ثقافي وسياسي واقتصادي. وذلك وفق أطروحات الناقد البريطاني تيري إيجلتون الذي يلخص القراءة الثقافية كخلاص من النظرية التي أصبحت مغلقة علي نفسها وأشبه بالممارسة السحرية تنعكس علي ذاتها ولا يمكن إسنادها إلي مرجع، مما يستوجب، وكما ذهبت إلي ذلك أطروحات مفكرين آخرين مثل الراحل ادوارد سعيد وصل النقد بالعالم والعودة مجددا إلي التأمل في العلاقة المعقدة التي تقوم بين النصوص والعيش اليومي للبشر(12).

نقاد الله المختارون


عموما هذه بعض الأفكار والمقاربات المقتضبة والتي اتخذت من ردّي شقرون وبن حمودة تعلة لطرحها، وذلك رغم أنني لم أجد في رديهما أدني إجابة عن تلك الأسئلة والاتهامات الصريحة التي احتواها مقالي سواء فيما تعلق بما انتحلوه، دون حق، من صفة لا يملكانها أو من ناحية ما اتهمناهما به من جهوية، حيث نجد في رديهما تسليما بها وكأنها معطي قدري لا فكاك منه، إذ يقول شقرون: أما وقد أنجبت هذه المدينة كل الكفاءات التونسية التي ذكرها صاحب المقال في مجال النقد الفني، فذلك هبة من السماء أما محمد بن حمودة ورغم ما يبديه من فتوحات في النظرية إلا أن ذلك بقي نظريا أيضا إذ يقول ..وكما هو معلوم فإن الجهوية معطاة أما الكوسمبوليتية فإنها منشأة .

 
 

إحــــالات


(1) الأكاديمية: والمقصود بها تحديدا هنا البرنامج التلفزيوني ستار أكاديمي إذ لم نجد علاقة بين النقد كممارسة حميمية كما جاء في تعريف الأكاديميين بن حمودة وشقرون وبين المؤسسة الأكاديمية بمفاهيمها العلمية والمنهجية الصارمة.
(2) جيل دولوز: الدروس. الدرس المقدم 28 نيسان (ابريل) 1981 أنظــــر: الموقع الالكتروني الخاص بدروس وفكر جيل دولوز
www.webdeleuze.com
(3) ج- هيو سلقرمان: نصيات بين الهرمنيوطيقا والتفكيكية ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، منشورات المركز الثقافي العربي ص 236.
(4) جاك دريدا: الحقيقة في التصوير بالفرنسية منشورات فلاماريون باريس 1978 ص 328.
(5) ألان باونيس: الفن الأوروبي الحديث ترجمة فخري خليل مراجعة جبرا ابراهيم جبرا. منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر ص 30.
(6) يقول العرب القدامي كن عصاميا ولا تكن عظاميا. ويقال أن الحجاج أراد اختبار أحدهم بسؤاله عصامي أنت أم عظامي؟ أي هل أنك تفتخر بآبائك الذين صاروا عظاما.
(7) فيصل دراج، نشر المقال تحت العنوان المذكور بموقع البلاغ الالكتروني
www.balagh.com
(8) بروكست هو قاطع طريق في الميثولوجيا الإغريقية كان يمدد ضحاياه علي سريره، فإذا كان الجسد الممدد أطول من حجم السرير يقطع الجزء الزائد وإذا كان العكس فإنه يقوم بتمطيط جسد الضحية ليصبح في حجم السرير.
(9) وهو كتاب علم الإعلام العام، درس فيه دوبرييه كل الوسائط المادية التي يتجسد عبرها الكلام وذلك وفق التقسيم الآتي:
ـ مرحلة الإعلام الخطابي، الكلام، والمتوافقة مع عصر الكتابة والعبادة.
ـ مرحلة الإعلام الخطي، الكتابة، والمتوافقة مع عصر الفن من الطباعة إلي بداية التلفزة.
ـ مرحلة الفيديو، أنا أري، متوافقة مع عصر البصر.
ـ انظر كتاب ريجيس دوبرييه محاضرات في الإعلام العام ، الميديولوجيا: ترجمة شاهين وجورجيت حداد (بيروت دار الطليعة 1996).
(10) قدم الناقد والصحافي آلان دولونوان ملخصا لهذه الندوة لفائدة جريدة لوســـــــوار البلجــــيكية انظر:
www.legrandjardin.com
(11) عبده وازن مقال عزلة النقد الأدبي جريدة الحياة الصادرة بتاريخ 11/12/2006.
(12) جاء هذا المفهوم في سياق إعادة تيري ايغلتون قراءة لمفهوم الثقافة من ذلك قوله: ليس بالثقافة وحدها يحيا الإنسان وليس بالثقافة حتي في أرحب معانيها، وثمة علي الدوام ما هو ضمن الثقافة مما يعوقها ويصدها ويحرفها باتجاه الكلام العنيف أو الخالي من الحسة، أو يزرع فيها بقية من الهراء المحض، أنظر كتابه فكرة الثقافة ترجمة ثائر ديب. منشورات دار الحوار 2007.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نقد تشكيلي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “نقاد الوهم”

  1. السلام عليكم

    سعيد بالمرور بمدونتكم مقدما لكم احر التهاني بمناسبة شهر رمضان الابرك

    سائلا الله تعالى ان يجعله رحمة و مغفرة و عتقا من النار

    تحياتي

  2. عمر الانسان والفنان والناقد والجميل بفضاءات عمق السؤال :

    تحية عربية صادقة مملوءة بحبق عذوبة نهرالفرات والميادين بلدتي الغالية ومن ريح عجاج الرياض في فلاة الربع الخالي

    احب ان اكتب لك عمق امتناني لرائحة اصابعك العاشقة وقد فرحت بك ذات يوم عندما وجدتك مسجل باسمك الجميل في صفحات منبرنا وانتظرتك بشوق الحبيب ولكن لم اجدها الا اليوم هذا الصباح بحر الظهيرة

    فكل التقدير لك وكثيرا جدا كلامك منطقي حول النقد والتناقد ورائحة ( مرابط خيلنا الشارقة ومن يتبع لها بالولاء ) معك اخوك ابو الفرات عبود سلمان ( هنا الرياض )



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر