في ندوة تخصصية بالشارقة-١
كتبهاعمر الغدامسي ، في 29 نوفمبر 2007 الساعة: 14:33 م
طاقة الفنون الفطرية المهدورة
طلال معلا
هذا الشأن ليس مثالاً حصرياً في المنطقة العربية، إذ جرى الأمر ذاته في التجارب الغربية الأوروبية، وفي أمريكا اللاتينية واليابان وسواها من المواقع. إلا أن وعياً مبكراً تمثل بعبور الكثير من التجارب الفطرية إلى ساحات الاعتراف وإثبات الوجود، وتحتوي الدراسات الكثير من الإشارات إلى مثل هذه التجارب والنماذج الاستثنائية باعتبارها المحلي، والمعرفي والإنساني، بينما لم تستطع التجارب المتصلة بالفطرية والإحالات الفنية الشعبية في الوطن العربي أن تتماسك لبناء حقيقة وجودها، والنفاذ إلى التيارات الإبداعية المتداولة كفن موثوق يتضمن القدرة على تنمية الذوق والبناء التربوي والإيديولوجي، وتبني الموضوعات الأساسية في النظام الاجتماعي. وهنا تبرز أهمية الدور الذي لعبته الثقافة في تشويه حقيقة الطاقة الفطرية في التجربة الفنية لتصبح علامة للاضمحلال وتدني الثقافة والخبرة، فهي خارجة عن السياق، لها طقوسها وموضوعاتها ورموزها.. ولم يعد إنتاج مثل هذه الموضوعات عبر الخزان المعرفي والمعلوماتي المتوارث أو الكامن، وأضحت مقاييس التحديث تتدخل في طريقة إنتاجها. وكذا الأمر في الرسوم الشعبية المتنوعة، التي كانت تمثل السرد الشعبي السحري لحكايات التاريخ وقصص الغرام والحب والعوالم الماورائية، وصولاً إلى الحكم والأمثال والروايات والسير الإنسانية والممارسات الطقسية، وكثير من الرموز التي تمثل مفاصل مهمة في الهوايات المحلية والمشتركة ما أفقد القاعدة خلق علاقات تفاعلية بين التقاليد المحلية والثقافة البصرية الشعبية الفطرية، وبين الطبقات الثقافية وأجهزتها المعرفية والمؤسسات المتوالدة عن ضرورات التحديث وتأصيل الأفكار التي تشكل المدرسة والمعهد والأكاديمية والصحيفة والمؤسسة والنقد والصالة وسواها من موقع الاعتراف، والحق بإلغاء ما يتعارض مع توجهاتها وخططها وأفكارها، ولم يعد الصراع وقفاً على التضاد بين القديم والجديد أو التقليدي والمعاصر في الجدل القائم، بل إن الأمور تعدت ذلك إلى محاولة تنقية المشهد الفني من العوالق الفطرية. وهنا أرى أن هذا الإقصاء سواء أكان متعمداً أم عفوياً قد منح الاتجاهات الفطرية استقلاليتها، لتبقى محافظة على بنيتها كظاهرة مؤجلة مسترخية في ظل المتغيرات الثقافية والتكنولوجية والاجتماعية. ولم تفلح معاني التمدن المتولدة من أفكار القرن العشرين في سلخها عن توجهها البري، الذي غالباً ما يوصف بالسذاجة والابتذال والبهرجة ويحتاج إلى التهذيب والتشذيب والوظيفة والموضوع، وتحري الانضباط في سلم قواعد الفن وألعابه المعاصرة، المتصلة بالمبادئ والتنوير والتأصيل وحركة السوق والتسويات والمدنية والحضارة.
لقد جرفت سرعة تبدل البنى التحتية الفنية والثقافية إمكانية الالتفات إلى شبكة من المبدعين الفطريين في مختلف المناطق العربية، وأقصت تقديمها كإنجاز للسلالة الجمالية المختلفة، أو المفارقة للغة البصرية المتداولة في الرواية التشكيلية العربية، أواعتبارها صوت الصورة العفوية التي كانت نموذجاً لمختلف فئات المجتمع، حين لم تكن قد دخلت مفاهيم الفنون المجهولة من الغرب، ولم يكن قد آن الأوان لعودة الموفدين المشبعين برموز الثقافة البصرية الجديدة، الذي حملوا معهم مرآتهم الصقيلة التي ينظرون عبرها إلى وجوههم. فيما كان منتجو الفنون الفطرية والشعبية من دون مرآة، يخرجون لاوعيهم وفطرتهم إلى فضاء تهيم فيه حرية التعبير، وفكاهة الموقف الممسرح، ودقة المقصد، لتحقيق رمز كان ضالة المطابع بداية دخولها إلى المنطقة العربية، وبخاصة الطباعة الملونة التي حققت نجاحاً كبيراً في نشر هذه الفنون الفطرية والشعبية، لتصبح جزءاً من أي جدار في كل بيت، ولتتحول مثل هذه الرسوم العفوية إلى فضاء جمالي اجتماعي بصورة عامة، بل وفانتازي، حقق حضوره في وسط الشعب. إذ لم يخل منزل من رسوم عنترة وعبلة وفاطمة المغربية وصور الشخصيات التاريخية، وكذا المحال التجارية والحلاقين ومحال الخياطين… الخ.
برغم ذلك، ومع بداية عهود الاستقلالات الوطنية، واختلاف وجهات النظر، بدأت تنحسر المشهديات الفطرية المستمدة من روح الناس وفضاءاتهم، لتبتعد عن موقعها كنموذج إلى مكان هامشي فرضت عليه تهمة الابتذال التنحي عن جدران البيوت، وقد زاد في ذلك اختلاف الصيغ والتشكيلات الاجتماعية، فالفلاح الذي وفد إلى المدينة تحمل أعباء هذه الهجرة، وتخلى عن كثير من مكوناته الخيالية. وقد أدى هذا التبدل إلى تغير ثقافي في بنيته القيمية والثقافية، وفقد الكثير من اندماجه بالطبيعة والفطرة. وبدلاً من انتمائه لموقعه بات يحلم بالعودة لهذا الانتماء، بينما لم تقدم له المدينة المتحضرة أو السائرة على هذا الطريق إلا المزيد من العزلة عن رموزه الأساسية، وبدلاً من خبرته الريفية الأولى في الغناء والرقص والتلوين وبقية فنون الحياة، بات جزءاً من قائمة من الأسماء تعركها لقمة العيش والانصياع لقوانين الثقافة المدنية المصنعة على قياسات المدنية المنصاعة لمتحولات الثقافة وأوامرها.
حتى نفهم البعد الذي أقصده بإقصاء روح الفن عن العملية الإبداعية في الوضع المستجد في المنطقة بطريقة موحية، لابد من النظر إلى السبل التي تم عبرها إنتاج الأزمة التي توصل إليها الفن العربي المعاصر، الذي عاش الاتهام الدائم بالتعبئة لفنون الغرب، بل لاتكاد تخلو دراسة تأسيسية فيه من دون الإشارة إلى الرنين المتواصل والمزعج لمنهجية هذه التعبئة، باعتبارها منظومة متكررة في مختلف البلدان العربية، من دون محاولة التطرق إلى كثير من الجذور البصرية التي تحتفظ بمكانتها ومشروعيتها كمواضيع للدراسة والتحليل والتساؤل. وبدلاً من البقاء في محيط التمثل والتمثيل لتجارب الآخرين، كانت الإشارة واجبة إلى ما يمكن تقييمه انطلاقا من الواقع المعرفي بما يحتويه من مرجعيات تشكل الفنون الفطرية نموذجاً أساسياً في جمالياتها الأليفة، بل هي المعبر عن فكرة الأداء الصادق خارج النسق. ولم يستطع التجديد أو التحديث الذي تطرحه مكونات النظام الثقافي أن يلعب دور الفنون الفطرية الهامشية، خاصة بعد التأكيد على ذاتية الفن والفنان، والالتفات إلى الأداء الفردي، وتجاوز توترات الأسلوب والنموذج والتجريب واستنساخ الأب المهيمن.
وإذا كانت الأنساق الثقافية قد غرقت في نقاشات المحلية والعالمية، أو الولع في تحقيق مركزيتها، فإن طموحها الأكاديمي بقي أقل من المأمول منه على المستوى المعرفي، وبقيت محاكاته لحلم العالمية مثار نقاش، وأخذ ورد، ولم تتفلت من التجربة العربية إلى العالمية إلا قلة وندرة نادرة ممن عاشوا في المواقع الأخرى، فيما اختلط عليها الأمر بخصوص الفنون الفطرية التي تحمل في بدائيتها التكوينية خصائص بنيوية كونية تتقاطع وكليات الثقافة البصرية الإنسانية، وتستدرج في فطرتها عمق التجاوز للوظيفة التي لعبتها الفنون المعاصرة في رحلتها التطويرية. وهذا ما يفسر لجوء الفنانين والحركات الفنية إلى هذه الروح لتجاوز الأزمات التي يعاني منها الفن في المعابر، سواء أكانت هذه الروح مستمدة من قناع أم طقس أم شعائر أم أفكار، وتحليلها باعتبارها مكافآت مجازية وبصرية للخروج بوقائع إبداعية جديدة بجعل العناصر تتأتى من بعضها البعض، كاستنباط الرفيع من الطوطمي، والمتعالي من السحري، وأناقة التطلع المعاصر من البدائي.. إنها إشكالية على صلة بالعقل أكثر مما هي على صلة بالأحاسيس والمشاعر.
وفي حين دخلت الفنون المنتجة في الوطن العربي فضاءات التجريب، فإنها بقيت تراوح في محيطه لتنتج الظاهرة التجريبية، كون كل مرحلة باتت الوسيلة المعتمدة لتحقيق الغاية الاستعارية لنظام التجريب. أي المنهج المستورد لجعل الخطاب سائداً على كافة المستويات، والمنطلق من تحديدات وتعريفات معينة وثابتة، كتعريف الواقعية مثلاً بأنها “محاكاة الحقائق الواقعة في مجال الإدراك كأدق ما تكون المحاكاة”، فيما الواقع اليوم يتجاوز هذا التعريف إلى أبعد الحدود.. كما أن مفهوم الواقعية بات يختلف من موقع إلى آخر، ومن محمل تعبيري إلى آخر، كحال التفريق في الرواية بين الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية من منظورها الشعبي والواقعية السحرية الأوروبية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نقد تشكيلي | السمات:نقد تشكيلي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























