الجامعة و الحياة الثقافية
كتبهاعمر الغدامسي ، في 14 ديسمبر 2007 الساعة: 15:26 م
جامـعـيون مراهـقـون!!!
َ مبقلم الهادي خليل
الندوات العلمية الأكاديمية المتكاثرة والمتلاحقة التي تَعْْرُضُ خلال فعالياتها مجموعة هائلة من المداخلات تُقْرَأُ تِبرهقة ومضنية ومدمّرة للأعصاب ولكلّ طاقات السّمع والتّركيز. هي «أعراس الجامعيّين التقليديّة مثلا»، أعراس أو حفلات أو طقوس، تستعيد ما خُزّنَ وادّخر في رسائل المحاضرين الأكاديميّة لكي تعيد الطّريق لترقيّات ممكنة خاصّة بالنّسبة للوافدين النّاشئين، وتمكّن الأساتذة والباحثين والمحاضرين من صيانة معدّات آليّاتهم ومعارفهم حتّى إن بليت، من الحفاظ على هالة مواقعهم، مهما هرمت مكانتها ومهما ترهّلت ادّعاءاتها وتهرّأت.
غالبا ما تتمّ هذه العروض، السخية أحيانا، في ظلّ غياب عنصر فاعل وأعني الطّلبة. يَعْزُف الطّلبة عن مثل هذه النّدوات عزوفا عجيبا. لكأنّ عقلهم ووجدانهم وتطلّعاتهم مقيّدة بالبرامج والامتحانات والنّتائج والأعداد تقيّدا غافلا لا يبصر سوى النتائج المباشرة، التي قلّ ما فيها من المباشرة ومن البصيرة شيء! هل لذلك تراهم يُقْصون أنفسهم، من حيث لا يشعرون ولا يفقهون، عن كلّ نشاط لا يتناسب ودائرة حساباتهم النفعيّة الوظيفية الآنية؟ إن حضروا بأعداد غفيرة فإمّا لإشباع نرجسيّة أستاذ من أساتذتهم وإمّا لكون المحاضرة في صميم مضمون الدّروس والمقررات والامتحانات!
هذه العقلية السّائدة المؤسفة، سواء من جانب الأساتذة أو من جانب الطّلبة، لا تخُصُّ بلادنا فقط بل الكثير من جامعات بلدان العالم، الذي يشبهنا والذي لا يشبهنا. كأنّ الهيكل الأكاديمي، هنا وهناك، تربّى على أنماط وأساليب وطقوس ليس من السّهل التّخلّى عنها مهما تقدّم العالم وتراكمت خبراته العلمية والمعرفية في نقل المعارف وإلقاء المحاضرات وتنويع أساليب الاتصال في المعرفة، بما هي حمولة للتفكير ثقيلة ثقل الوجود ليفاعة شابة مقبلة، شاءت أم أبت، على تحمّل الوجود، مهما كان ثقله ومهما كانت أعباء معارفه وخبراته وتحدياته.
ما الجدوى إذن في متابعة هذه النّدوات الجامعيّة والمشاركة فيها؟ الحافز بسيط: نَعِيشُ دوما على أمل أن يُبَاغِتُنَا أستاذ من الأساتذة بمداخلة، تشكل سانحة متفرّدة وطريفة، متحرّرة من الأنموذج العامّ شكلا ومضمونا وتوصيلا. ومن حسن الحظ أن ذلك تحقّق أثناء النّدوة الدّوليّة التي نظّمها أيّام 28 و29 و30 نوفمبر المنصرم قسم اللّغة والآداب الفرنسيّة بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بصفاقس في موضوع «التراسل والإبداع في الأدب والفنون» حيث قدّم أستاذ فرنسي على مشارف السّتّين مشهود له بكفاءته العالية وبمؤلّفاته القيّمة مداخلة تضمّنت رسالة حبّ كان بعث بها في سنّ المراهقة إلى فتاة جميلة تنتمي إلى عائلة محافظة جدّا. في تعليقه عن نَزْوَة الشّباب هذه، بيّن الأستاذ أن رسائل الحبّ مهما كان مَعْدَن صدقها صافيا ومهما كانت جَذْوَة حميميّتها متوهّجة هي نصّ اللاّ تَوَاُصل بامتياز لأنّها تشكو من البون الصّارخ بين تدفّق الأحَاسيس وشحّة اللّغة التي تصرّ على التشبّث بأوهام النّفاذ إلى ناصية غمرة الحب والتي سرعان ما تَذْعَنُ إلى قانون الكليشيهات البالية والقوالب الجاهزة.
على إثر هذا التجلّي انفتحت فجأة شهيّة بعض الحاضرين إذ أفادت أستاذة تونسيّة متخصّصة منذ مدّة طويلة في علم النّفس أنّها كتبتْ، في عزّ الشّباب مجموعة غزيرة من الرّسائل أرسلتها إلى نفسها تبحث لها عن ناشر في تونس.
في مثل هذه اللّحظات النّادرة الممتعة، كنت أتمنّى أن تتحوّل النّدوة برُمَّتِهَا إلى مجلس ذاتيّ حميميّ تسقط خلاله كل الأقنعة المُزْدَانة بِبَهْرج المراجع والاستشهادات والنّظريّات.
قد تكون رسائلنا وأطروحاتنا الجامعيّة ومداخلاتنا ونقاشاتنا ما هي في نهاية الأمر إلاّ عبارة عن سيرة ذاتيّة ملتوية متخفية ترفض البوح عن دوافعها الحميمة العميقة.
هنالك منعطف آخر في هذه النّدوة التي احتضنتها قاعة «ابن خلدون» بكليّة الآداب بصفاقس. كان الطّلبة مصدره. كيف؟
على مقربة بضعة أمتار من مكان النّدوة، تجمهر بعض الطّلبة من فصيل «القوميّين العرب» في ساحة الكليّة بمناسبة حفل خطابي اشتمل على صور لمجازر صبرا وشاتيلا وصور لمن سمّوهم «زعماء الأمّة العربيّة»، أمثال ميشال عفلق وجمال عبد الناصر وصدّام حسين، مشفوعة بمقتطفات من أقوالهم وكتاباتهم. تخلّلت هذه التّظاهرة الصّاخبة رسائل نثريّة وشعريّة مهداة من قبل الطّلبة إلى أرواح «الأبطال شُهَدَاء الأمّة العربيّة». كانت البرقيّات التي خطّها الطّلبة تتغنّى، صورا وشعارات، بذكرى رموزهم الأموات تكريسا لِعَمَلِ الحِدَادِ الذي لن ينتهي مهما تبدّدت الأوهام وتهاوت الأساطير.
في حين كان الأساتذة يتكلّمون عن رموز آخرين امتحنهم الموت فقتلوا الموت وأثبتوا أن الحياة هي للأحياء وليست للفناء. رموز الخلود مثل «روسو» و»فولتير» و»كامي» و»كلودال» و»جيد» و»بيكات» و»ليريس»، فيما يخص قسم للغة والآداب الفرنسية بصفاقس، ويجدر في هذا الوقت أن تستنفر الأقسام العربية وكل الأقسام في تونس لتحيي وتحيي رمزها المعرفية والفكرية والفنية والجمالية. فالطلبة يهتفون الآن، بين مناوشات لفظيّة وجسديّة، برموز القوميّة العربيّة الذين لم يحققوا انتصارا معرفيا ولا إبداعيا.
إن أردتم أخذ نَصِيَبكم من النّدوات الأكاديميّة – وهذا حقّكم – ابحثوا عن هَوَامِشِها، ففي الهوامش قد يكون الإبداع والبدع، وتلكما من مطالب الفكر المنتشي
الهادي خليل
جامعي تونسي و باحث مختص في السنيما
الندوات العلمية الأكاديمية المتكاثرة والمتلاحقة التي تَعْْرُضُ خلال فعالياتها مجموعة هائلة من المداخلات تُقْرَأُ تِبرهقة ومضنية ومدمّرة للأعصاب ولكلّ طاقات السّمع والتّركيز. هي «أعراس الجامعيّين التقليديّة مثلا»، أعراس أو حفلات أو طقوس، تستعيد ما خُزّنَ وادّخر في رسائل المحاضرين الأكاديميّة لكي تعيد الطّريق لترقيّات ممكنة خاصّة بالنّسبة للوافدين النّاشئين، وتمكّن الأساتذة والباحثين والمحاضرين من صيانة معدّات آليّاتهم ومعارفهم حتّى إن بليت، من الحفاظ على هالة مواقعهم، مهما هرمت مكانتها ومهما ترهّلت ادّعاءاتها وتهرّأت.
غالبا ما تتمّ هذه العروض، السخية أحيانا، في ظلّ غياب عنصر فاعل وأعني الطّلبة. يَعْزُف الطّلبة عن مثل هذه النّدوات عزوفا عجيبا. لكأنّ عقلهم ووجدانهم وتطلّعاتهم مقيّدة بالبرامج والامتحانات والنّتائج والأعداد تقيّدا غافلا لا يبصر سوى النتائج المباشرة، التي قلّ ما فيها من المباشرة ومن البصيرة شيء! هل لذلك تراهم يُقْصون أنفسهم، من حيث لا يشعرون ولا يفقهون، عن كلّ نشاط لا يتناسب ودائرة حساباتهم النفعيّة الوظيفية الآنية؟ إن حضروا بأعداد غفيرة فإمّا لإشباع نرجسيّة أستاذ من أساتذتهم وإمّا لكون المحاضرة في صميم مضمون الدّروس والمقررات والامتحانات!
هذه العقلية السّائدة المؤسفة، سواء من جانب الأساتذة أو من جانب الطّلبة، لا تخُصُّ بلادنا فقط بل الكثير من جامعات بلدان العالم، الذي يشبهنا والذي لا يشبهنا. كأنّ الهيكل الأكاديمي، هنا وهناك، تربّى على أنماط وأساليب وطقوس ليس من السّهل التّخلّى عنها مهما تقدّم العالم وتراكمت خبراته العلمية والمعرفية في نقل المعارف وإلقاء المحاضرات وتنويع أساليب الاتصال في المعرفة، بما هي حمولة للتفكير ثقيلة ثقل الوجود ليفاعة شابة مقبلة، شاءت أم أبت، على تحمّل الوجود، مهما كان ثقله ومهما كانت أعباء معارفه وخبراته وتحدياته.
ما الجدوى إذن في متابعة هذه النّدوات الجامعيّة والمشاركة فيها؟ الحافز بسيط: نَعِيشُ دوما على أمل أن يُبَاغِتُنَا أستاذ من الأساتذة بمداخلة، تشكل سانحة متفرّدة وطريفة، متحرّرة من الأنموذج العامّ شكلا ومضمونا وتوصيلا. ومن حسن الحظ أن ذلك تحقّق أثناء النّدوة الدّوليّة التي نظّمها أيّام 28 و29 و30 نوفمبر المنصرم قسم اللّغة والآداب الفرنسيّة بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بصفاقس في موضوع «التراسل والإبداع في الأدب والفنون» حيث قدّم أستاذ فرنسي على مشارف السّتّين مشهود له بكفاءته العالية وبمؤلّفاته القيّمة مداخلة تضمّنت رسالة حبّ كان بعث بها في سنّ المراهقة إلى فتاة جميلة تنتمي إلى عائلة محافظة جدّا. في تعليقه عن نَزْوَة الشّباب هذه، بيّن الأستاذ أن رسائل الحبّ مهما كان مَعْدَن صدقها صافيا ومهما كانت جَذْوَة حميميّتها متوهّجة هي نصّ اللاّ تَوَاُصل بامتياز لأنّها تشكو من البون الصّارخ بين تدفّق الأحَاسيس وشحّة اللّغة التي تصرّ على التشبّث بأوهام النّفاذ إلى ناصية غمرة الحب والتي سرعان ما تَذْعَنُ إلى قانون الكليشيهات البالية والقوالب الجاهزة.
على إثر هذا التجلّي انفتحت فجأة شهيّة بعض الحاضرين إذ أفادت أستاذة تونسيّة متخصّصة منذ مدّة طويلة في علم النّفس أنّها كتبتْ، في عزّ الشّباب مجموعة غزيرة من الرّسائل أرسلتها إلى نفسها تبحث لها عن ناشر في تونس.
في مثل هذه اللّحظات النّادرة الممتعة، كنت أتمنّى أن تتحوّل النّدوة برُمَّتِهَا إلى مجلس ذاتيّ حميميّ تسقط خلاله كل الأقنعة المُزْدَانة بِبَهْرج المراجع والاستشهادات والنّظريّات.
قد تكون رسائلنا وأطروحاتنا الجامعيّة ومداخلاتنا ونقاشاتنا ما هي في نهاية الأمر إلاّ عبارة عن سيرة ذاتيّة ملتوية متخفية ترفض البوح عن دوافعها الحميمة العميقة.
هنالك منعطف آخر في هذه النّدوة التي احتضنتها قاعة «ابن خلدون» بكليّة الآداب بصفاقس. كان الطّلبة مصدره. كيف؟
على مقربة بضعة أمتار من مكان النّدوة، تجمهر بعض الطّلبة من فصيل «القوميّين العرب» في ساحة الكليّة بمناسبة حفل خطابي اشتمل على صور لمجازر صبرا وشاتيلا وصور لمن سمّوهم «زعماء الأمّة العربيّة»، أمثال ميشال عفلق وجمال عبد الناصر وصدّام حسين، مشفوعة بمقتطفات من أقوالهم وكتاباتهم. تخلّلت هذه التّظاهرة الصّاخبة رسائل نثريّة وشعريّة مهداة من قبل الطّلبة إلى أرواح «الأبطال شُهَدَاء الأمّة العربيّة». كانت البرقيّات التي خطّها الطّلبة تتغنّى، صورا وشعارات، بذكرى رموزهم الأموات تكريسا لِعَمَلِ الحِدَادِ الذي لن ينتهي مهما تبدّدت الأوهام وتهاوت الأساطير.
في حين كان الأساتذة يتكلّمون عن رموز آخرين امتحنهم الموت فقتلوا الموت وأثبتوا أن الحياة هي للأحياء وليست للفناء. رموز الخلود مثل «روسو» و»فولتير» و»كامي» و»كلودال» و»جيد» و»بيكات» و»ليريس»، فيما يخص قسم للغة والآداب الفرنسية بصفاقس، ويجدر في هذا الوقت أن تستنفر الأقسام العربية وكل الأقسام في تونس لتحيي وتحيي رمزها المعرفية والفكرية والفنية والجمالية. فالطلبة يهتفون الآن، بين مناوشات لفظيّة وجسديّة، برموز القوميّة العربيّة الذين لم يحققوا انتصارا معرفيا ولا إبداعيا.
إن أردتم أخذ نَصِيَبكم من النّدوات الأكاديميّة – وهذا حقّكم – ابحثوا عن هَوَامِشِها، ففي الهوامش قد يكون الإبداع والبدع، وتلكما من مطالب الفكر المنتشي
الهادي خليل
جامعي تونسي و باحث مختص في السنيما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضايا جامعية | السمات:قضايا جامعية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























