فنان بالغريزة

كتبهاعمر الغدامسي ، في 22 ديسمبر 2007 الساعة: 15:24 م

  جابر محجوب
فطري طوطمه الحمار

عبد الرزاق عكاشة (*)

في فرن العيش (المخبز البلدي) بحي مساكن في جنوب سوسة جلس الفران الشاب جابر المحجوب سارحا بخياله وغارقا في عدة أسئلة تتناسب وعمره الذي لم يتجاوز الثامنة عشر. فى ذاك الوقت
الأسئلة حول الخبز الذي يدخله إلى النار ليخرج خبزا شهيا للناس. وهل يمكن لأعماله النحتية البسيطة أن تدخل النار لتكسبها الصلابة والقوة؟ وهل هذه الأعمال التي تمثل الحيوانات يمكن أن تكون فنا؟ أسئلة عديدة تدور في ذهن جابر أمام فرن النار, أما خارجه فهناك أسئلة أخرى اكثر صعوبة وهي هل يمكن للجمهور في تونس أن يفهم أن فرانا بسيطا يمكن أن يدخل صالات العرض يوما ما وخاصة أنها قليلة جدا في ذلك الوقت من نهاية الخمسينات؟ هنا قرر الفران جابر أن يحل الأسئلة ويضع لها أجوبة مباشرة فقرر عبور البحر إلى الضفة الأخرى وهو في بداية العشرينات وان ينتقل من حالة الحلم إلى الحقيقة: فرنسا. نعم وتحديدا باريس حيث مدراس الفن والثقافة، العشق والغرام والفلسفة على مقاهي لكوليني. لودي بار سان مشيل المد رجال والاديون . ونداءات حقوق الإنسان والعمال.. لكن الأغرب أو الأدهش أن القدر يسوق جابر إلى العمل في (فرن) في حي الباستيل في بداية الستينات حيث كان هذا الحي هو حي الفنون المعاصرة وقاعات العرض حتى بداية التسعينات من القرن المنصرم.
.. …… ….. ..
على مقربة من مركز جورج بونبيدو بوسط باريس هذا المركز الذي يعد منارة ثقافية مميزة انفتحت على ثقافات العالم . وتحديدا في مكتبة الموناليزا. أو حتى في المقاهي والمطاعم الكبرى أو البسيطة المجاورة تجد أعمال جابر التونسي معلقة او مرصوصة كقطع نحتية أو لوحات تشكيلية تحمل علامة التميز . وحيث لا يوجد في مكتبة الموناليزا أي شي آخر يدل على الفطرية. بل على العكس كل شي موضوع أو مرصوص بشكل كلاسيكي. وجابر هو الاستثناء الوحيد في القاعدة رابطا الفطرية بالصدق والوعي الخاص به . كذلك بين ميدان الاديون الشهير و شارع بونابرت حيث تقع فيه كلية الفنون الجميلة (البوزار أرت ) تجد قاعات العرض تميل إلى الاحتفال بمدارس الحداثة أو ما بعدها إلا قاعة واحدة تحتفل بالفن الفطري. وعروس الاحتفال هو جابر المحجوب الذي يعرفه الفرنسيون كثيرا يعرفه القليلون عندنا في العالم العربي حتى في بلده التي يعود إليها ويقدم معارضه هناك منذ فترة.
جابر. لا يكتب ولا يقرأ لكنه يتحدث العربية والفرنسية والإنقليزية بطلاقة . وعمل بالعديد من المهن البسيطة حتى يكسب قوت يومه.
وهو أيضا ملاكم قابل محمد علي كلاي في أمريكا واشترى كلاي منه لوحتين. كما عمل كمغن وملحن ومؤلف على طريقة الشيخ إمام لكن جابر لم يسخر من الحكومات العربية. إنما يسخر من نفسه التي يحبها فهو يغني لذاته وروحه التي تفيض سعادة على الآخرين يعاتبها ويمدحها و لا يطلب مديح أحد يحب نفسه البسيطة حد الطيبة والدروشة ويقربنا ويبعدنا من ذاته العميقة بمزاجه هو لان ذاته تخصه وحده . وله أغان عديدة يصف فيها نفسه بالجحش والعالم من حوله بالجحوش.
هو نحات ورسام له تجربة غنية جدا اعجب بها الفنان الفرنسي العالمي جون دوبوفيه مؤسس نظرية الفن الخام… أقام جابر العديد من المعارض في باريس ونيوجرسي بامريكا وتونس وبعض البلدان الأخرى لكنه لا يحب بلدا اكثر مما يعشق فرنسا حسب ظني واكثر سان جرمان حي سارتر وسيمون ديبفوار والثقافة ومقاهي الإبداع مقهى ( الديمجو) و الحي اللاتيني هنا بدا كفنان.
وترك جابر الفرن والخبز منذ فترة بعيدة وبدأ يلعب العود والغناء ويمثل ويقيم مسرحا كاملا بلا ديكور في قلب الشارع هو الفنان، المخرج، المغني والعازف وفي نهاية العرض يبيع ما رسم من أعمال لجمهوره.
بدأ جابر الرسم مع نفسه وخاصة في الليل حين ينام البشر يسهر جابر التلميذ النجيب للشارع الفرنسي. وجابر بنفسه يقول( أنا ابن الشارع, أدبني فاحسن تأديبي ) تعلم على نواصيه معنى الحياة وعلى ضفاف أرصفته عرف الحب.
بدا يجرب «الشخبطة» عن خجل إلى أن شاهدته سيدة من امريكا في شارع سان جرمان سحرت بالساحر.
فجابر أيضا يمارس الألعاب السحرية في الشارع وطلبت منه الاستمرار في الرسم واشترت له ألوانا هدية كي يلون ما يرسم واشترت كل انتاجه. في البداية أقامت له سلسلة معارض في نيوجرسي وحقق ما حلم وأراد وتفرغ للفن وتزوج هذه السيدة . وعاش هناك عدة سنوات ثم عاد إلى سان جرمان بباريس وعاد كالفراشة يتنقل بين الرسم والغناء والتمثيل أمام المراكز الثقافية بباريس ثم انتقل إلى مركز بونبيدو حين افتتح في النصف الثاني من الثمانينات مكتشفا لذة الحياة الثقافية في باريس من جديد وتعرف عليها بذكاء شديد وحس انساني عال أهله لان يكون فنانا فطريا على مستوى عال من الوعي رافضا التخلي عن فكرة تعامله البسيط مع الأشياء بعيدا عن البحث وعن ما يسمى النسب و المقاسات المعقدة لعملية الإبداع فاللوحة أو التمثال عنده نسيج إبداعي يتدفق بدون حذق آو بدون عقد. معظم أعمال جابر النحتية لشكل الحمار أو الجحش وهنا سؤالا يبدو مهما عن قصدية الفنان في التعامل مع الحمار هل هي حالة تعاطف فقط مع هذا الحيوان أم المعرفة بحقائق الأشياء ثم التخلي عن المعرفة و الهروب من هذه الحلقة هو يصر على البساطة وان يظل هو دون أن يرتدي عباءة الآخرين وهنا يقول جابر حين افتتحت الإذاعة العربية في باريس في بداية الستينات: ذهبت وغنيت فيها ثلاث أغان منها واحدة للجحش اسمها (بهيمي ومانبيعوش) وأخرى( جابر ابن جابر يؤدب الجحوش) وثالثة نكاز ومعروف (ونكاز عندنا في الشرق تعني نطاط الحايط).
و هنا اعترف أنه في البداية كان عندي قلق من تعامل الأوربيين معنا في رسم صورة لنا محددة كوسيلة للتعامل تشكيلا معنا على أننا يجب أن نركن إلى الفطرة ونبتعد عن الحداثة لأنها تخصهم وحدهم. هذه آراء سمعتها وصدمتني كثيرا.. لكن من خلال تعرفي على جابر وحديثي معه وذهابنا إلى متحف الفن الفطري بجوار كنيسة المنومارات في شارع سوق سان بيار وتعرفي على ذكاء وطيبة وتلقائية جابر بدت لي الأمور اكثر بساطة. أصبحت أحب أعماله بشكل شخصي بعيدا عن حسابات الغرب ووضع صورة مبرمجة في ذهني كناقد عن الآخر………………
جابر عالمه بقدر ما هو خاص فهو بسيط غير مزدحم بالمفردات وغير ديكوري و لا يركن إلى التراث أو إلى حواديت ست الدار كما في أعمال العديد من الفطرين فعالمه يغلب عليه البورتريه بما يحمل من ذكريات وصدق ونقاء لوني وصفاء ذهني، مصور وجوه عرفها على ما يبدو عن قرب فهذه السيدة التي تشبه ملامح المرأة التونسية من الممكن التعرف على هويتها بسهولة ووضع السمكة على صدرها أوفى أطراف اللوحة فيها تجسيد لذكاء جابر وتلقائيته اللامحدودة في رسم وتحديد فواصل لونية للتأكيد على حضور الشخص مع رموز الفنان أو انتقال الشخص من تلقائية الفنان الوجدانية إلى السكون و المعايشة بجوار رموزه الخاصة التي يتخيل أنها إشارات رمزية لاعماله.
البحر الموجود في أعماله بألوانه المستمدة من بيئة التونسية. حيث يغلب عليه الهدوء والثورة والهيجان. وفي حين آخر أعماله تلتحف بصدق المشاعر وتعيش حدود إنسانيتها داخل إطارها البصري الذي حدد الفنان إطارا عاما له تاركا لفطرته تحديد الإطار الخاص: الأزرق البحري والأحمر والأصفر والأبيض لون الياسمين التونسي. وتميل أعماله إلى السخرية والكوميديا البسيطة ومسحةالحب والاهتمام بالتلخيص البصري. أعماله تذكرنا أحيانا) بأعمال علي بن سالم (من رواد الفن التونسي) لكنها تشبه جابر وخصوصيته أي شقية ومضحكة، مسافرة وحالمة تحمل تاريخ غربته التي قاربت من 50 عاما في شوراع باريس أهم مدن العالم ثقافة.
جابر مثل الطائر خفيف حتى وهو يمشي. لذا نجد طيور البحر في لوحاته خفيفة وموحية ورمزية في اعماله.. رابطا ما يحب بما يرسم.و في خلق وفاق نفسي بينه وبين اعمالة .. العيون دائما يقظة لها دلالات موحية ومعبرة بقوة ونهم عن رغبات تختفي خلف رداء اللون الشفاف.. الجحش رمز جابر المحبوب دائما موجود . السمكة المعلقة على صدر بنت سوسة الملون فستانها بالأزرق المبهج منديل شعرها الأبيض الياسميني.. وخطوط وجهها المحددة بقوة الرغبة والإصرار على الوجود .
متيفات جابر نعم قليلة لكنها تدل على إنسانية شديدة . مثل القلب. الوردة. بجانب السمكة . الجحش. والطائر المسافر أو المهاجر. أو الطائر المشاغب المتحدث مع الوجه المرسوم
أما عالمه النحتي فيتكون من مجموعة الحيوانات ( الجحوش تحديدا) والطائر.

  • جابر يسجل تاريخا فطريا صادقا لمسيرة فنان عشق الرصيف في برد باريس القاسي وغنى وعزف، رسم ومارس أعمالا أخرى على ضفاف شوراع الصيف الفرنسي الممتع أحيانا بزحام الطلبة وجمال القادمات من أوروبا لمشاهدة الثقافة والعطور السحرية . عاريات الصدور وحلوات القوام. وارسم يا فنان أبدع. ولجابر فلسفته الخاصة أيضا فهو يرسم ويعمل اليوم ويكون سعيدا باللحظة التي يشارك فيها غيره. أما غده فيعلمه الله وحده، لا يكترث ولا يخاف الموت، يعبر الحدود كطائره الأزرق المثبت دائما بقدميه وأجنحته الطائرة في اعماله.
  • (*)فنان وكاتب مصري مقيم بباريس
  •  

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من تجارب الفن التونسي المعاصر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر