فن حديث من سوريا

كتبهاعمر الغدامسي ، في 22 ديسمبر 2007 الساعة: 15:40 م

 
الرسام ياسر الصافي
حوار بين كائن وكونه فــي فضاء خارج الجاذبية

 طلال معلا
ليس للطريق بداية أو نهاية في هذه الأعمال، الا أن هذا المقطع يحدد بالتأكيد مسار الخطوات، حيث مسرح الحدث ومصدر الفعل. ففي كل تآلف أو تنافر للشخصيات سرد لحكاية، وبيان لمعنى يتبدى في انفراج الصمت عن سخريته… وهنا يفسح الصافي المجال للتخمين والاقتراب أكثر من عوالمه الفنية بالتلميح والدلالات بمقابل الفروق التقنية، التي تدفعه على مستوى الخط واللون لاشتقاق فعل بصري ينتسب الى الحالات التشخيصية بدلالاتها الجديدة. مما يجعل الغرض التصويري يتبدى على شكل معين هو سعي الفنان لإظهار أشخاصه في اطار ما يخصها، وتركه عاريا أمام العين للإفصاح عن كونه، بعيدا عن التلقي المتداول لفعل الرؤية والصياغات اللازمة التي يحولها الى صياغات متعدية يشتق من كيفيات توضعها بزوغات رؤيوية للحاضر كزمن أو واقعة أو حدث.
إنّ التساؤل عن المتغير في الطريق هو تساؤل عمّن يشغله من جهة، وعمّن لا يتردد في إعادة رسمه كل مرة باعتباره مشهدا من مسرحية تتلاحق فعالياتها انطلاقا من وحدة الموضوع، ومن مراحل المسير التي تقود الى الظلمة أو النور، والمعادلة بين الزوايا التي ينظر عبرها الفنان الى هذا الرباط الذي يجمع الناس وهم في سبيلهم الى الاختفاء في عالم يتحوّل يوما بعد يوم الى الافتراض تكون الصورة فيه منزل الانسان. ولعل الصراع بين الحضور والغياب يشكّل في عمقه تساؤلا ضروريا لخطة مشاهدة مثل هذه الاعمال، انه الصراع بين الخفاء واللاخفاء الذي يفصح عن غاية بعيدة كل البعد عن اتجاهات الطريق، ويجعل من الشخصيات كائنات سابحة في أبعاد العمل الفني تحت ضوء السكون، وعلى طريق قد لا يكون منفذا الى نقطة أو مكان، لكنه طريق يدعو للتحرر من شبكة التصورات المسبقة عن المصور، والذهاب بعيدا في ما يحرك الروح أثناء الرؤية المباشرة لأسرار الفنان وعوالمه الذاتية.
ينتج ياسر الصافي إذن قراءة بصرية جديدة للشارع انطلاقا من ذاته، لهذا يستبصر المشاهد في هذه القراءة الضدية مختلف المونولوغات التي يجريها بأعلى حالات الوجدانية للتفلت من سلطة التصوير وإحكاماته بولوج إزاحات مرحة ينعكس حضورها في الصياغات الدلالية للاجتزاءات الحية داخل اطار العمل الواحد، واستحضار بنيات بصرية هامشية تلعب دورا تراجيديا في تفعيل أجزاء العمل، وتشخيص سويته العاطفية على مستوى الرغبات بشكل تمثيلي دلالي… الامر الذي يقود أحيانا للانخراط في حقيقة هذه المشهديات، وتناسي مؤلفها، أو تجاوز خبثه بالتخفي، والاستجابة الكلية للمبصور المعبر عن نفسه باستعارة رغبة الفنان في اطلاق الحقيقة المعاصرة للشارع، ولعب دوره الكامن في خطابه البصري. وهو ما يمكن دعوته حضور المبصور كوجود يتضمن فكرة الطريق كخرافة معاصرة تتجاوز الدلالات التاريخية لهذا المعنى، جراء هيمنة الاتصال المستحدثة وحلولها عبر تماميتها في موقع اختراق التأويلات السابقة لوجود الانسان فيه.
لقد جعل الصافي من الذاكرة المعاشة مرئيا تحتل فيه الشخصيات المهمشة موقعها، والمقصود بالمهمشة الشخصيات غير المرئية التي تتحوّل الى كائنات مرئية. ستبقى موضع شك كونها على صلة بحقيقة الواقع، وتحيل اليه دون الدخول في التفصيلات. وهو بعملية الاظهار هذه يسعى لتكوين واقع مجازي من مدينة في عالم سنجد الى جانب لذة اكتشافه التأويلات الغامضة التي تعرض نظام التعبير في أعمال الصافي. فالشواهد كثيرة، مفتوحة ومتقابلة، ولن يسقط من حسابات المتفرج الكيفية التي عليه أن يلتقط من خلالها لذة فعل الرسم والطريقة التي يبرهن من خلالها الفنان عن مهاراته الحاسمة لبناء عوالم العزلة، وجعل الناظر يعيها أكثر مما يراها وهي في طور الحياة مع متعالقاتها البصرية خارج التقنيات المعقدة ليبقى في فعل الرسم الذي يسعى لتقديم نفسه بجلاء دون حاجة الى وسائط.
ان التدقيق بملامح الشخصيات ومواقعها ومبادلاتها الشكلية مع كائنات لا إنسانية، كل ذلك يكرس فهم الفنان لهذه الشخصيات باعتبارها أحداثا لموجودات، يكشف الخطاب البصري عن معنى وجودها بالحال التي هي عليه. أي أن الفنان يؤكد عملية التدليل والمبادلة بين الاثر ومحموله من جهة، وبين التحوّل في النسب التشريحية والفهم المستقر للثقافة المستقبلية أو المقترحة، التي تشكّل احدى الالعاب المزيفة للمعنى، حتى وهي تبهر بحضورها وأكاديميتها ووظيفتها قطاعا واسعا من حرفيي الجمال وموظفيه الذين ينأون عن الوهم والإبهام كمواقع تكرس معنى الابداع، يسعى اليها أي مبدع لفض ظلمتها، والتصريح بأنه على الطريق دائما لاكتشاف ما لم يسبقه أحد اليه… فحقيقة الرسم غير ممارسته، كما أن عدم التفريق بين الفن في الحياة والحياة في الفن مازال مستمرا.
  الاحتراس من الوقوف لمشاهدة أعماله، كونها تدعو للخروج من موقع الناظر الى موقع المفكر والمتسائل عن الآفاق المتاحة لهذه الشوارع والطرقات
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فن معاصر عربي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر