وصف الاحوال
كتبهاعمر الغدامسي ، في 18 يناير 2008 الساعة: 00:38 ص
تقديم: حسونة المصباحي
«هم يحبون من الشاعر ان يكون مطربا كذوبا يداجيهم وينافقهم وتلا لهم الحانا شجية تطربهم ولا تبكيهم وتفرحهم ولا تشجيهم، ساترا دموعه بابتسام متصنع، مسكنا صوت قلبه بضوضائهم التي يهوونها فاذا التفت الى نفسه وكشف لهم عما بها من كلوم واسمعهم صوتا من اصوات الألــم الذي اخرسته ضجاتهم صاحوا متبرمين : « انه اعمى لا يحدق الا بالظلام ولا يبصر الا أودية الدموع».
ابو القاسم الشابي (رسائل الى محمد الحليوي)
كان ذلك في خريف 1983 حين التقيت لاول مرة بالكاتب التونسي الاصيل البشير خريف. تم اللقاء في بيت السفير الالماني السيد كاد وزوجته الفاضلة السيدة سيجريد العاشقة للادب العربي وللثقافة العربية بصفة عامة وبالرغم من انه كان مفاجئا وعفويا فان اللقاء كان بديعا للغاية على الاقل بالنسبة لي اذ انه سمح لي ان اتحدث لاول مرة الى كاتب احببته منذ سنوات المراهقة من خلال روايته «برق الليل» التي حولتها الاذاعة التونسية الى تمثيلية امتعت مئات الآلاف من المستمعين اواسط الستينات على ما أظن.
كان سي البشير في ذلك اليوم الخريفي المضيء يرتدي اللباس التونسي التقليدي اي الجبة والبدعية والسروال التركي والشاشية. وكانت حركاته انيقة وصوته دافئا وقد بدا لى حريصا على ان ينتقي كلماته بعناية فائقة ميالا الى ان تكون تلك الكلمات متجذرة في الفولكلور التونسي الاصيل، كلمات من قاع الخابية كما اتصور ان يقول هو عنها، وانا اصغي اليه يتحدث احسست كما لو انني التهم واحدا من تلك الاطباق التونسية اللذيذة التي تعدها ايادي الامهات الخبيرات ولما طلبت منه اجراء حوار لمجلة «الدستور» اللندنية التي كنت اعمل مراسلا لها في ذلك الوقت ابدى ترددا غير ان السيدة سيجريد تمكنت في النهاية من اقناعه بذلك واتذكر انه قال لي ونحن نتوادع بعد تحديد توقيت الموعد لاجراء الحوار : « اسمع سأعطيك حوارا لهذه المجلة التي تتعامل معها نزولا عند رغبة السيدة سيجريد فقط وليس لشيء آخر ذلك اني لا ابتغي خصوصا في هذه المرحلة من حياتي المجد ولا الشهرة ولا الجاه».
بعد مضي اسبوع على ذلك توجهت الى بيته في «تربة الباي» بالمدينة العتيقة تحت رذاذ الخريف استقبلني سي البشير عند الباب مرتديا اللباس التقليدي مصحوبا بقط اصهب، جلسنا في حجرة متواضعة غطت جدرانها كتب اغلبها روايات لمشاهير الكتّاب الفرنسيين الكلاسيكيين من امثال بلزاك وستندال وفلوبيس وموبيسان وزولا وكانت هناك صورة شارلي شابلن واخرى لامرأة بالزي التقليدي التونسي عرفت في ما بعد انها السيدة والدته.
ومن النافذة العريضة كان بالامكان رؤية صومعة جامع الزيتونة. بعد ان قدم لي قهوة اعدها هو بنفسه قال لي سي البشير : انت ترى ان هذا البيت اصبح في حالة يرثى لها وقد الح علي اولادي الذين انتقلوا للسكن في فيلات حديثة في ضواحي العاصمة ان اتركه غير انني رفضت ذلك رفضا قاطعا، انظر من هذه النافذة وايضا من سطح البيت بامكاني ان ارى جزءا كبيرا من المدينة العتيقة وايضا صومعة جامع الزيتونة واشياء اخرى كثيرة تآلفت معها منذ سن الطفولة وعندما اصبحت كاتبا شكلت هي ومنطقة الجريد حيث ولدت العالم الذي شغلني في جميع قصصي ورواياتي لذا فان ترك هذا المكان لا يعني شيئا آخر بالنسبة لي غير قطيعة مؤلمة بل قاتلة مع هذا العالم وهذه الاشياء !».
وفي الحوار المسهب الذي اجريته معه تحدثنا في مسائل كثيرة تتصل بطفولته وحياته في العاصمة في سنوات الشباب ثم الكهولة وعن الكتّاب الذين اثروا فيه من قريب او من بعيد غير ان المسألة التي توقفنا عندها كثيرا كانت معاناته كمبدع والعراقيل التي اعترضته واشباه الأدباء الذين حاربوه وسعوا الى الاساءة اليه والىاعماله بشتى الطرق والوسائل وقد حدثني سي البشير عن ذلك بصوته الدافىء دائما في حين غطت ملامحه ظلال من الحزن والانكسار.
عقب اجراء ذلك الحوار بشهرين وبضعة ايام فقط على صدوره في مجلة «الدستور» اللندنية توفي سي البشير بالسكتة القلبية في قلب العالم الذي ارتبط به حتى النهاية اعني بذلك المدينة العتيقة وكنت في باريس لما بلغني الخبر فكان حزني شديدا اذ ان واحدا آخر من اكثر المبدعين اصالة رحل وفي حلقه غصة وفي قلبه حسرة والشيء الذي أثار سخطي في ما بعد هو ان أولئك الذين ناصبوه العداء فقط لانه مبدع حقيقي واصيل تحولوا فجأة الى أشد الناس تحمسا له ودفاعا عنه وعن ادبه ولكن عندما عدت الى تاريخ الادب التونسي الحديث وجدت ان هذا الامر ليس بالغريب فاغلب بل جميع المبدعين التونسيين خصوصا في النصف الاول من هذا القرن لم يعد لهم الاعتبار، ولم يتبوؤوا المكانة التي تليق بهم الا بعد رحيلهم بفترة طويلة أحيانا. وكان علي الدوعاجي افضل من عبّر عن هذه المأساة عندما قال: «عاش يتمنى في عنبه مات جابولو عنقود!» كما انتبهت ايضا وانا اتمعن في تاريخ الثقافة التونسية في القرن العشرين الى ان جميع المبدعين الحقيقيين عاشوا مهمشين مقصين وحوربوا بشدة وقسوة من قبل اشباه الادباء والمثقفين بالخصوص. وبسبب الخيبات المرة التي منيوا بها والطعنات العنيفة التي تلقوها، لا لشيء الا لأنهم كانوا صادقين مع انفسهم ومع الكلمة انطفؤوا بسرعة من دون ان يتمكنوا من تحقيق الكثير من احلامهم في الحياة وفي الابداع. هكذا كان مصير الشابي الذي خانه القلب وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وهكذا كان مصير علي الدوعاجي ومحمد العريبي الذي انتحر يأسا وقنوطا. وهكذا كان ايضا مصير مثقفين مصلحين افذاذ من امثال محمد علي الحامي والطاهر الحداد. وقد مات البشير خريف في سن متقدمة نسبيا مقارنة بمن ذكرت. ولكنه مات بنفس الجرح الذي ماتوا به هم. جرح عدم الاعتراف به وبأدبه في الوقت المناسب. وكان البعض من اساتذة الجامعة الذين اصبحوا الآن من أشدّ المناصرين للبشير خريف ولأدبه هم أول من ناصبوه العداء وسخروا منه ومن لغته. ولانه عصامي، احب الكلمة، واتقن استعمالها في حارات المدينة العتيقة واسواقها ومقاهيها فانهم سعوا، هم الذين يعتقدون ان الادب لا يكون الا نخبويا او لا يكون، الى التقليل من شأن ادبه باعتباره ادب عاميا لا يليق بمقامهم. هم الذين باساليبهم المتقعرة، وبانجذابهم الى البلاغة والمحسنات اللفظية لا يفعلون شيئا اخر غير النيل من المبدع الحقيقي وقتل اللغة، وافراغها من كل ما هو بسيط وعذب وعفوي وسهل الانسياب مثل مياه سواقي واحات الجريد. وفي الوقت الذي كان فيه البشير خريف يحاول ان يبدع لغة جديدة، متصلة بالواقع اتصالا وثيقا ، ومتجذرة في التراث الشعبي الاصيل بعاداته وتقاليده وامثاله واساطيره، كان هؤلاء الاساتذة الجامعيون قد حولوا« السد» عمل المسعدي الذي يقوم على لغة ميتة، وعلى بلاغة متينة لكنها فاقدة لاية صلة بالحاضر، الى انموذج للادب الراقي.واليوم بات واضحا ان خليفة الاقرع ظل قصة البشير خريف التي تحمل نفس العنوان،ظل حيا في القلوب والنفوس اكثر من غيلان بطل« السد» للمسعدي الذي يبدو بلا ملامح وبلا صفات بسبب الصخب اللغوي العالي الذي يملأ الاثر المذكور من البداية الى النهاية.ولا بد من الاشارة ايضا الى ان نسبة عالية من الاساتذة الجامعيين في تونس وفي غير تونس، يحاربون بشدة كل من يأتي الى الادب من افق اخر غير الافق الجامعي مثل البشير خريف.وبامكان من يعود الى تاريخ الادب التونسي في القرن العشرين الوقوف على هذه الحقيقة بكامل اليسر والسهولة.ولهذا الامر اسباب عدة اولها ان الاستاذ الجامعي الذي يمضي اغلب اوقاته في القاعات المغلقة ومراكز البحوث الصامتة، يخشى كل مبدع يعيش في الفضاء الطلق، ويتحرك بعيدا عن القواعد الصارمة ، وعن اللغة الباردة، ومن البلاغة المفتعلة والمزيفة، وعن المناهج الكاذبة.ولان رغبة الاستاذ الجامعي غالبا ما تحضر في حبس الابداع داخل قوالب يسميها هو دراسات او اطروحات نقدية، فان كل اثر ابداعي يتمرد على رغبته هذه، ويفلت من المنهج الذي يريد اخضاعه له مثلما يفلت الطائر السعيد من القفص الحديدي، يغدو هدفا لسخطه وغضبه وتبرمه وحقده ايضا، وثمة سبب اخر وهو ان الادب هو مهنة الاستاذ الجامعي.منه يعتاش ويقتات.ومع مرور الزمن، يصبح تعامله معه شبيها بتعامل الزوج مع زوجته بعد عشرة طويلة.فهو لا يكرهها.لكنه لايحبها بنفس ذلك الحب المحموم الذي احبها به لحظة قابلها للمرة الاولى، اما المبدع الحقيقي، فانه يعيش قصة حب يومية مع الادب.ومثل كل عاشق متيم، هو يتعذب ويحترق ويتألم، غير ان صورة الحبيبة لا تفارق ذهنه ابدا، سواء كانت حاضرة ام غائبة وخلافا للزوج الذي يجد نفسه شبه ملزم يوميا على ترديد نفس الكلمات امام زوجته احتراما للعقد الذي ابرم بينهما منذ زمن بعيد، فان المبدع الحقيقي مثل العاشق المتيم تماما، يحاول ان يولد كل يوم كلمة او كلمات جديدة تناسب لحظة الحب والهيام التي يعيشها. اما الاستاذ الجامعي فهو لا يفعل شيئا اخر غير تكرار الكلمات التي قالها بالامس.لهذه الاسباب، ولاسباب اخرى ايضا، ظل البشير خريف حتى اللحظة الاخيرة من حياته ملغى من اهتمامات الاساتذة الجامعيين ومشاغلهم.فلما السرور بغية اخضاعه واخضاعها لمناهجهم واغرائهم التي لا علاقة لها بالابداع مطلقا. غير انني ما اظن البشير خريف، وهو في خلوته الابدية ، مهتم بهم وباطروحاتهم وبحوثهم ذلك ان الشاة لا يهمها سلخها بعد ذبحها..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضايا و افكار من تونس | السمات:قضايا و افكار من تونس
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























