الحبيب بوعبانة

كتبهاعمر الغدامسي ، في 24 يناير 2008 الساعة: 15:25 م


أزهار بوعبانة الذابلة


«ان ضوء الأشباح لا يزال أكثر وضوحا بين تلك التي تجعلنا مرئيين لأنفسنا».
جان جيرودو
«أنا لست سجينا، لكني مثل عصفور في السجن».
بوعبانة

  حسونة المصباحي
 

  • ـ
    كنت أسير في شارع ضيّق طويل، تنتصب على جانبيه أشجار عارية، حزينة. وكان الوقت مساء على ما أظن. ولم يكن هناك أحد غيري. فجأة رأيت بوعبانة معتمرا كاسكيتا رماديّا، ومرتديا بنطلونا دجينز قديما وقميصا أسود، وكان يحمل بيده اليمنى أزهارا برّية ذابلة، صائحا بصوته الأجش، وباللغة الفرنسية :
    Qui veut acheter ces belles fleurs؟
    Qui Qui؟
    (أي من يشتري هذه الأزهار الجميلة؟ من؟ من؟).
    اقتربت منه فأشاح عنّي بوجهه غاضبا. ازددت اقترابا منه، فقال لي لكن من دون أن ينظر اليّ : «أنا لا أبيع لمثلك هذه الازهار الجميلة… أنا أبيعها فقط للفتيات الجميلات!».
    وكنت أعتزم الذهاب في حال سبيلي عندما برزت من الناحية التي أتيت منها، خمس فتيات أنيقات، يرتدين ثيابا زاهية الألوان. وجميعهن كنّ ضاحكات، مبتهجات بالحياة، وبجمالهن الأخّاذ. نظرن الى بوعبانة بشيء من اللطف والحنان، فابتسم هو ابتسامته الخبيثة المعتادة وقال لهن بالفرنسية :
    Vous etes belles comme mes fleurs
    (أي أنتن جميلات مثل أزهاري).
    وفي الحين انطفأت البهجة التي كانت تشعّ في وجوه الصبايا الخمس، وحثثن الخطى مبتعدات… ظلّ بوعبانة واقفا يراقبهن وهنّ يبتعدن مسرعات وكأنهن يخشين شرّه. بعد حين رمى بالازهار الذابلة على الارض. ثم مضى في الاتجاه المعاكس لاتجاه الفتيات متمتما بعبارات غاضبة لم تلتقطها أذناي. لكني أعتقد اني سمعته يقول :
    «Même pour ça je suis devenu inutile» (أي حتى لهذا لم أعد صالحا!).
    ـ 2 ـ
    ذلك هو الحلم الذي رأيته مطلع هذا العام بعد أن أمضيت نصف يوم في «فضاء بوعبانة» كما هو حالي كل أسبوع حين أذهب الى العاصمة لقضاء حاجياتي. وقد انسني في تلك الجلسة الجميلة أصدقاء أعزّاء رووا لي طرائف أزاحت عن قلبي وحشة العزلة المختارة في الحمامات. ورغم ان بوعبانة كان صديقا عزيزا، فانّي لم أره من قبل في أي حلم من أحلامي. وحين استيقظت من حلمي المذكور، وكان ذلك حوالي السابعة صباحا، تركت فراشي، وتوجهت الى الحديقة الصغيرة. وهناك وقفت أتأمّل النهار الطالع من وسط الضباب. بعدها عدت الى الفراش. اغمضت عيني. وراحت ذكرياتي مع بوعبانة تتلاحق في ذهني. بهدوء وبطء، معيدة الحياة لأيام بعيدة مضت ولن تعود أبدا…
    ـ 3 ـ
    لا أتذكر السنة التي التقيت فيها ببوعبانة، غير أني أتذكر جيّدا اني انجذبت اليه بسرعة، وبسرعة دخل قلبي، فلم يفارقه حتى هذه الساعة. ولعلّ ذلك يعود الى اني احسست حين جلست اليه، وتحادثت معه هو الذي يكاد يكون صامتا دائما وأبدا، بأنه ينتمي الى سلالة الفنانين الهامشيين، المتوحّدين بأنفسهم، والذين يرفضون رفضا قاطعا أن يقطعوا خطوة واحدة مع القطيع. وكان له سحر وجاذبية لا يتميّز بهما غير الفنان الذي خرج عن المالوف، وتمرّد على السائد، وتحدّى القوانين والقواعد، وداس على المحرّمات والمقدّسات، فما عاد في النهاية غير نفسه. نفسه فقط لا غير. فلا أصدقاء له غير نفسه. ولا وطن له غير نفسه. ولا شيء يعبده ويحبه ويأنس اليه غير نفسه المعذبة، الجريحة، الضائعة وسط الزحام.
    وكان بوعبانة مسكونا بروح التمرّد. تلك الروح التي قد تكون ولدت معه، فلم تفارقه حتى النهاية. ومن المؤكد أنها هي التي جلبت له الكثير من المتاعب، بل وقادته الى السجن. ففي الستينات، عندما كان في عزّ الشباب، كان يدرّس في قفصة. وفي احدى زياراته للعاصمة، حضر معرضا لأحد الرسامين التونسيين المشهورين في ذلك الوقت. فجأة هجم على اللوحات، راغبا في تمزيقها وتدميرها صائحا: «هذا كذب.. وتدجيل على الناس، واعتداء على الفن الأصيل». فما كان من رجال الشرطة الا أن أخذوه الى السجن ورغم ان وزير الثقافة آنذاك، الاستاذ الشاذلي القليبي تدخل شخصيا لاطلاق سراحه فانه صاح امام رئيس المحكمة قائلا بانه سيفعل الشيء ذاته لو ذهب لمشاهدة المعرض المذكور مرة أخرى.
    وحتى عندما تقدمت به السن، ظل محافظا على روح التمرد تلك… وفي حوار بديع أجراه معه  الهاشمي غشام الذي كان وراء «الفضاء» المخصص له والذي تحول الى مكان يعشقه أهل الفن، قال بوعبانة مدافعا عن روح التمرد التي كانت تطبع شخصيته: «ان يكون الإنسان ثوريا، فهذا يعني الا يكون تابعا ومقلدا وخاضعا لنواميس معيّنة. الثوري خلاّق بالدرجة الأولى. وهو لا ينقطع ابدا عن الخلق والابتكار. وهو يعيد خلق العالم مدمرا ومحطما كل ما هو بشع من أجل ابتكار الجمال (…) لذلك فإنّ الثورة شيء غريزي عند كل فنان حقيقي..».
    4
    قلت أن بوعبانة كان يغمر نفسه بحبّ لا حدود له غير ان هذا لم يكن ناتجا عن افراط في الأنانية وحبّ الذات، بل عن احتقار للقطيع. ذلك القطيع الذي يمقت الفن وأهله ويحاربهم بضراوة لا مثيل لها ويتجسس عليهم، ويفتك منهم اللحظة النادرة التي تتوفر فيها المتعة والراحة ويلاحقهم حتى في احلامهم الليلية وهم نائمون سكارى، متعبين ومثقلين بالهموم والآلام… لقد كان حب بوعبانة لنفسه شكلا من اشكال الدفاع عن نفسه اذ لا سلاح له غيرها في مجتمع لم يكن يعبأ به ولا بفنه. مع ذلك كانت نفسه «تطيب» أحيانا فيهش ويبش لمن حوله، ويبتسم ويضحك ويغني ويطلق نكاتا وطرائف ويفتح قلبه لبسطاء الناس.. أولئك الذين يعرف جيّدا انهم يحبونه هكذا «لوجه الله» وليس طمعا فيه.. هو المعدم الفقير، الفاقد للبوصلة من الصباح الى المساء في شوارع العاصمة.. وعندما يقول له الهاشمي غشام: «بوعبانة.. أنت كائن كريه ومقيت… انت تفعل كل شيء لكي يكرهك الناس»، يجيبه قائلا: «هذا ليس صحيحا. ليس هناك غير الناس القبيحين والأغبياء يكرهونني ذلك انهم يحسدونني على النعم التي وهبني الله اياها. أما الآخرون.. البسطاء والمتواضعون والقنوعون بما عندهم، فهم يحبونني ويفهمونني».
    ـ 5ـ
    في نصّه الشهير عن جياكوموتي، كتب جان جينيه يقول: «ليس هناك مصدر آخر للجمال غير الجرح، المفرد، والمختلف بالنسبة لكل واحد مخفيا كان أم ظاهرا والذي يخفيه كل انسان في داخله، ويحتفظ به عندما ينسحب راغبا في مغادرة العالم لوحدة وقتية لكنها عميقة». وكان لبوعبانة هذا الجرح الواضح احيانا والمتواري عن الانظار احيانا اخرى والذي كان مصدر كل اعماله الفنية التي كانت الحاجة تضطره بين وقت وآخر لبيعها بأبخس الأثمان وكأنها لا تعني شيئا بالنسبة اليه. وفي الحقيقة كان بوعبانة يقدر كل لوحة يبدعها، عارفا انها نابعة من جرحه الداخلي الذي لم يكن يكفّ عن النزيف. لذلك هو يقول: «ان الفن هو الوردة والابتسامة وسط الضجيج المصمم للآذان والذي هو الحياة. ان الفن هو الميزان المنظّم لغريزة الحبّ عند الانسان». نعم كان بوعبانة يحب.
    يحب نفسه، وفنّه، والعاملين في المطاعم الشعبية او في الحانات القذرة. وكان يحبّ النساء القبيحات، الضائعات في الشوارع، وباعة الفول واللوز في الربيع، والفل والياسمين في الصيف، وسائقي التاكسي اواخر الليل بعد ان يتعتعه السكر، ورجال الشرطة الذين يلاطفونه عندما يكون غاضبا وحانقا على نفسه وعلى العالم، والمومسات المرددات اغاني أم كلثوم واسمهان وصليحة والهادي حبوبة لطرد وحشة الليالي الباردة، والمتسكعين بلا مأوى في «باب البحر»، وفي الشوارع الخلفية. وكان يحب والدته التي تمكن من ان يشتري لها وهي تحتضر، مروحة قديمة عليها صورة طاووس .. وعندما رأت صورة الطاووس قالت «ياه» مثل طفلة تصيبها الدهشة امام شيء عجيب.
    نعم … كان بوعبـــانة الذي كانــت له «هيئة عتاة المـــجرمين» يـــعرف المعـنى العميق للحب، غير ان حبه كان شبيها بحب الأطفال المجانين والمشاغبين.
    - 6 -
    وكان بوعبانة قاسيا مع بعض الفنانين التونسيين فعن نجيب بالخوجه مثلا، كان يقول بأنه يتكلم مثل كتاب، ويرسم مثل فنان حرفي. وعن حاتم المكي، كان يقول بانه كان يفلح دائما في ان يتخلّص بلباقة من «الفخاخ» التي يتم نصبها هنا وهناك، سواء قبل الاستقلال او بعده. وهو ـ اي حاتم المكي ـ بالنسبة له احد «أفضل من رسموا الطوابع البريدية» في تونس. ومع القرجي، الذي رحل عنّا مؤخرا، والذي كان تلميذه، يصبح بوعبانة أقل شراسة وعدوانية، ويكتفي بالقول : «أكن له احتراما كبيرا، عكس ما أشعر به تجاه البعض من الدكاترة المنظرين في مجال الفن».
    أما الفنانين الذين يتحدث عنهم بوعبانة باعجاب وتقدير، فهم اولئك الذين عاشوا في الهامش مثله، وتعذبّوا من أجل الفن، وبسبب تمردهم الدائم على ما هو مألوف وعادي، دفعوا الثمن غاليا. وكان عمارة دبيش الذي كان صديقا لسرتر وبيكاسو ولفنانين كبار اخرين، والذي انتحر في باريس يأسا وقنوطا، واحدا من هؤلاء. ولعل بوعبانة كان يعلم ان مصيره سيكون شبيها بمصيره. لذلك قال  : «ما حدث لعمارة دبيش او لمنصف بن عمر ولبالطيب، يمكن ان يحدث لي انا ايضا. وكل واحد منا يتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية».
    لا أتذكر اليوم الذي مات فيه بوعبانة. لكني على يقين بانه سيظل يوما قاتما وحزينا في تاريخ الفن الحديث في تونس !

     

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من تجارب الفن التونسي المعاصر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الحبيب بوعبانة”

  1. جميل جدا هذا الإنسان… ورقيقة هذه الحكاية التي توحي بأن هذا الفقيد كان فنانا قبل كل شيء في حبه وجنونه وجرأته…



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر