بحث في شحصية التونسي

كتبهاعمر الغدامسي ، في 13 فبراير 2008 الساعة: 11:22 ص

 

«كتاب شخصية التونسي: محصول الجغرافيا والتاريخ» للضاوي خوالدية
هل هي أحكام جاهزة تستعجل الريادة

اعداد: كمال الشيحاوي

اختار الباحث التونسي الضاوي خوالدية عنوانا لافتا ومغريا لمؤلفه الذي أصدره حديثا على نفقته الخاصة وهو «شخصية التونسي: محصول الجغرافيا والتاريخ».
العنوان رغم تركيبته اللغوية الصحيحة فانه أقرب الى الاستعمال الدارج ولا شكّ ان المؤلف الذي استبعد عناوين اخرى من قبيل «صورة التونسي في التراث التونسي» و«سمات الشخصية التونسية في تراثها» و«بنية التونسي النفسية» كما يشير الى ذلك (صفحة 03 من الكتاب) قد أراد بذكاء ان يثير فضول كل التونسيين مهما كان مستواهم الثقافي على اعتبار ان صورة التونسي عن شخصيته ما تزال تشكّل مرتعا لعديد الافكار والمصادرات والأحكام التي تبرز عادة لدى الباحثين المختصين او في الأحاديث اليومية للناس عند المقارنة بينها وبين شخصية الجزائري أو الفرنسي او السعودي او غير ذلك.
ومع ان الكثير من المعنيين بهذا الموضوع خصوصا من النخب الفكرية والسياسية يعتبرون ان شخصية التونسي لم تعد مجال جدل واختلاف في تكوينها الثقافي والحضاري فهي شخصية ذات عمق تاريخي وحضاري كبير ومتنوع مثلت العروبة والاسلام السني / المالكي العناصر الأكثر تأثيرا في تكوينها وهي بالاضافة الى ذلك أميل الى الاعتدال والوسطية، تجمع بين الاصالة والحداثة… الا ان كل ذلك السائد والرائج لم يمنع الباحث الضاوي خوالدية من اعادة طرح السؤال من جديد خصوصا وانه في دراساته السابقة قد توفر على مصادر من قبيل مكاتيب «القياد». في بحثه عن تاريخ الهمامة وأولاد بويحيى في القرن التاسع عشر، وعقود الزواج والاسماء والالقاب في دراسته المتعلقة بالذوات والاسر التونسية في القرن التاسع عشر.
مصادر جديدة
في كتاب «شخصية التونسي» يستجمع خوالدية عددا كبيرا من المصادر والمراجع واليوميات والدوريات والأرشيف باللغات العربية والفرنسية والانقليزية وقد رأى ان المعطيات التاريخية التي توفرت له تسمح له بنوع من التفكيك لمكوّنات الشخصية التونسية واقتراح افكار جديدة وهو ما يمثل مغامرة علمية بالنظر الى ضخامة الموضوع وتشعبه وحاجته الى أكثر من مساهمة.
ومن ا لضروري أن نشير الى ان الباحث «الضاوي خوالدية» لم ينكر دوافعه الايديولوجية في خلفيةتناوله للمبحث ولم يخف ايضا ان منطلقات سؤاله عن شخصية التونسي نابعة من هواجس الحاضر ورؤيته السياسية له. وهو معتد ببحثه اذ يعتبره رائدا مع انه يعتذر في البداية عن الاخطاء الطباعية الكثيرة الواردة بين الصفحة الاولى والرابعة (فلعله استعجل الريادة حتى لا يسبق اليها).
ومما يؤكد قولنا ما جاء في الصفحة الثالثة من الكتاب يقول «ان فحص النفس العربية وسبر اغوارها المظلمة وتحديد عقدها وادوائها المزمنة (خوف وذل واستكانة ورضاء بالدون ورياء وشعور بالنقص وتشبث غريب بحياة المهانة وعجز تام عن المغامرة ومعرفة المجهول ومسخ الهوية) قد يكون المرحلة الاساس من مراحل العلاج تبين للشعب ان مكبلاته النفسية والاجتماعية والسياسية ليست قدرا محتوما وان تفكيكها وتكسيرها وتفجيرها اسهل مما كان يتصوّر وتاريخ الشعوب شاهد على ذلك فيكون التحرر من الاخر… فالانخراط في ركب الانسانية الحقة».
ان محاولتنا الريادية يقول المؤلف (مشيرا الى توزع كتابه الى ثلاثة فصول) ستقوم على دراسة شخصية التونسي من ثلاثة أبعاد رئيسية:
ـ مشكلات شخصية التونسي (عبر التاريخ)
ـ شخصية التونسي المشكّلة
ـ شخصية التونسي الحديثة.
في الفصل الاول مشكلات شخصية التونسي يقول الباحث ان الخاصيات الجغرافية والطبيعية لتونس جعلت منها (ص10) مطمع الغزاة ولقمة سائغة للامبراطوريات وشذاذ الآفاق وقراصنة البحر… حتى ان المؤرخ قد يجد صعوبة في ضبطهم وتعدادهم فيكتفي بذكر أهمهم وأكثرهم أثرا منهم القرطاجيون 814 ـ 146 ق. م. والرومان 146 ق.م ـ 430م والوندال 439 ـ 534م والروم البيزنطيون 534م ـ 642م والعرب المسلمون 647 ـ 1476م والأتراك العثمانيون 1476 ـ 1957 والفرنسيون و(الاتراك) 1881م ـ 1956م ولم يكن غزو هؤلاء افريقية ظرفيا مؤقتا بل كان استيطانيا جله باعتبار هذه البلاد مقاطعة من مقاطعاتهم او دولة رعيتها أمازيغ وأهالي مسلمون «عبيد» وسادتها وأعوانها وحواشيهم أجانب وكان نظام الحكم تبعا لذلك من اكثر انظمة الحكم استبدادا وتعسفا وعنفا وظلما ويورد عددا من الامثلة الدالة على هذا الوجه المظلم من التاريخ و يخلص منها الى نتيجة خطيرة بمعنى الأهمية ـ يقول ص 20 من الفصل الأول:
«ان الحياة السياسية في تونس ليست حياة سياسية بالمعنى المتعارف اذ هناك ابناء بلاد محكومون بيد من حديد دورهم دفع المجابي للسلطة لذلك كل تمرّد من قبل التونسيين هو نتيجة لإجحاف في المجبى اذ التونسي اعتاد ان يكون محكوما من الأجانب».
ويضيف مختتما فصله الاول بشهادتين واحدة لرحالة الماني والاخر فرنسي «ان الظلم والاستبداد الاجتماعيين والسياسيين والاقتصاديين والثقافيين قد حطما شخصية التونسي وكسر نفسه كسرا» ص21
ويعلق في الهامش رقم 24 من الفصل الاول بالقول «اما بشير بن سلامة فقد عد الخضوع للغازي الاجنبي وعدم مقاومته فضيلة تميز بها الافريقيون عن غيرهم من شعوب شمال افريقيا قائلا في مؤلفه: الشخصية التونسية خصائصها ومقوماتها نشر وتوزيع مؤسسات ابن عبد الله تونس 1974 ص 204: «كيف يمكن اذن ان تتكون هذه الحلقات من الحضارات المتتالية اذا لم يكن في دخيلة هذا الشعب روح من التعاون والمؤالفة تجعله يستوعب المد التاريخي ويستسيغه ليصير جزءا منه وهو ما لم نجده في الاجزاء الاخرى من افريقيا الشمالية التي طغت عليها ظاهرة واحدة وهي مناوءة الاجنبي فقط».
قنديل باب منارة
في الفصل الثاني: شخصية التونسي المشكلّة يخلص الباحث من خلال ما تبين له من سلبيات كانت طاغية في تكوين شخصية التونسي الى تفسير صراع علماء المالكية فيما بينهم، وفشل ثورة علي بن غذاهم وحركة محمد علي الحامي النقابية والحزب الدستوري القديم والحركة اليوسفية بما أسماه «قدرته (التونسي) الفائقة على اتخاذ موقف عدائي كبريائي منه (التونسي / أخيه) ولعل السمتين المذكورتين جعلتا التونسي لا يشتهر او لا يسمح له بالشهرة في تونس مهما بلغ من العلم وغيره (ابن خلدون، ابن عرفة، محمد الخضر حسين، أحمد بن حسين، أبو القاسم الشابي، الطاهر الحداد، عبد العزيز الثعالبي….) اما الوافد الاجنبي (غير التونسي) فيساعد على الشهرة بكل قوة».
العلماء والصوفية والساسة الكثر ان التونسي «قنوع» يرضى بالموجود ينفر من المغامرة لا يحلم بالمجد والتميز يعلي صوت «أنا» معتبرا اياها فوق كل اعتبار بما فيه الوطن الذي اختزله في مدينته وسمّى من خارج المدينة برّاني أو آفاقي أما موقف التونسي من الاخر (الاجنبي) فيمكن اختزاله في نقاط رغم اشاراتنا السابقة يقول الباحث: «ان الاجنبي الوافد يلقى من التونسيين احتراما وتبجيلا ومساعدة ولعل خير مثال : اصحاب الزوايا والمتصوفة الذين لولا اصولهم الأجنبية الحقيقية او المفتعلة/المزيفة لما اشتهروا وقدسوا في تونس وكثر عدد مريديهم واتسع نفوذهم وسمي باسمائهم والحكام الاجانب الذين لا يجدون الا الطاعة والخضوع التامين وقد تكون عقدة الاجنبي هذه الناتجة عن ارهاب السلطات الاجنبيةواستصغار الذات قد أبهرت الرحالة العرب القدامى فمدحوا التونسي الهاش الباش بهم دون معرفة ان هذه الهشاشة والبشاشة والطاعة مدخرة للوافد «المخيف» فقط…. ومن سمات التونسي الأخرى التقليد… ويضيف الباحث خاصية اخرى وهي قدرة التونسي العجيبة على نطق اللغات الغربية واللهجات العربية نطقا يجعل السامع لا يفرق بينه وبين أهل هذه اللغات واللهجات والسبب اضافة الى كل ما قيل، ان ليس للتونسي لكنة خاصة به عكس شعوب العالم اجمع كأن جهازه التصويتي من طراز وحده وان لون التونسي ابيض بياضا اوروبيا» ص 30 / 31.
ومن اخطر ما يصل اليه الباحث جازما قوله «ان الافريقيين حين دخلوا التاريخ وجدوا أجانب يحكمونهم ويتعسفون عليهم ويجبون منهم ويحبذونهم ويستعبدونهم ويستغلون ارضهم فاستكانوا فترات طويلة وتمرّدوا فترات اخرى لا لأن الاجنبي الحاكم احتل ارضهم لأن الانتماء للأرض قد انتفىمنهم بفعل الزمن وانما لان هذا الاجنبي الغازي امتص دماءهم وجوعهم وشردهم وطاردهم وقتلهم (من قرطاج الى فرنسا مع استثناءات قليلة). ص31
عن الأسماء ايضا
ويمكن القول في هذا المستوى الأول من العرض ان الباحث لا يرى في تاريخ افريقية سوى سلسلة متعاقبة من اشكال الاحتلال والبطش بأهالي البلاد، اورثت التونسي احساسا منعدما بالوطن والهويّة وحولته الى مجرّد تابع ذليل وخانع لا يحمل تقديرا لنفسه ولا لبني ارضه الا بشكل قبلي وعائلي يفرح بالاجنبي بمنطق الخاضع ولا أمل له في ان يأخذ الامور بيده. ويذهب الباحث في هذه المصادرات الى حدّ تفسير طغيان الاسماء الحاملة لمعاني التفاؤل برغبة التونسي في نيل الحظوظ دون تجسم جهد وعناء كما جاء في الصفحة 33 من الفصل الثاني ويدلّل على رأيه بأننا لا نجد في الاسواق التونسية التقليدية صناعة يمكن ان ننسبها الى تونس او التونسيين (من صنائع البناء واللباس والحلويات والاطعمة والزراعة واشكال التقويم الزمني والموسيقى وأنواع اللعب…) ينضاف الى المذكور عدم وجود آثار تونسية باستثناء بعض القصور البربرية في الجنوب وحرف تنقرض في بلاد الجريد وقفصة وبعض المناطق الاخرى اذ كل الاثار المبنية في البلاد التونسية فينيقية أو رومانية او بيزنطية او عربية شرقية او اندلسية او تركية… اما التراث الادبي الفكري النزر المتبقى لسببين على الأقل أولهما بعده العربي العام وثانيهما هجرة كاتبيه الى بلاد عربية اخرى (ابن خلدون مثلا) او اكتشاف «الاجانب» سمة الابداع في هذا الادب او الفكر فيعرّفون به وينشرونه (أبو القاسم الشابي مثلا) ص36.
أمام هذه النظرة السلبية يقوم المؤلف في نهاية الفصل الثاني باستدراكين في الاول يقول «ان ما قلناه موثقا لا يعني أن الشعب التونسي عقيم حضاريا لكن مسخ روحه الثقافية وتدمير بنيته النفسية والذهنية بالعسف والارهاب والمجبى الخ… جعله غير قادر على الفعل الحضارى» إذن فهو عقيم بحسب هذا المنطق ومن ثمة يسقط هذا الاستدراك تبعا لذلك. في الثاني يشير الى دور رجالات وعوا بعمق الواقعة وعملوا على تغييرها مضحين بأنفسهم… ولعل الثورات والتمرّدات الادبية والفكرية والنضالية والعسكرية المنطلقة طيلة التاريخ من الجنوب والشمال الغربي لدليل على ذلك وأمل غير خاب في المستقبل» ص36.
وفي هذا الاستدراك الثاني يعزز موقفه بأن جعل الامل مرتهنا بأفراد (رجالات) وليس بطبقات اجتماعية او مجتمع.
في ا لفصل الثالث يبرز المؤلف دور المصلحين في دعوتهم للاعتراف لهذا الشعب بهويته المميزة وحقه في المساواة مع غيره والمشاركة في الحكم كما يقول أحمد ابن ابي الضياف مثلا وما قام به رواد الحركة الوطنية في معاركهم ضد التجنيس ويستعرض فصولا من الجدل الذي دار بين دعاة أمة تونسية متميزة وبين الداعين الى ربطها بمحيطها العربي والاسلامي فضلا عن القائلين وهم قلة بحتمية ربطها بمحيطها المتوسطي والغربي…
وتحت عنوان «السبيل الى شخصية سوية أصيلة وفاعلة» يقترح المؤلف استراتيجية سياسية وتربوية وثقافية لتحقيق ذلك ويختم مؤلفه بفقرات مما كتبه مفكرون تونسيون منذ ستين عاما وهم محمود المسعدي ومحمد الفاضل ابن عاشور.
كتاب «شخصية التونسي» على صفحاته القليلة (60 صفحة) تقريبا دون اعتبار الفهارس وقائمة المصادر والمراجع طغت عليه التقييمات والاحكام المتسرعة والجازمة والحال انه يخوض في موضوع شديد التعقيد ويصعب الالمام به من زاوية نظر واحدة. ومع ان الكتاب في مجال البحث الا اننا لم نلاحظ لدى المؤلف تحفظا في النتائج التي توصل اليها او حرصا على تنسيب افكاره واطروحاته.
فهو ميال الى الجزم ولا يتحرّى في مصادره من ذلك انه اعتمد على شهادات عدد من الرحالة والمستشرقين الغربيين دون ان ينبه الى الخلفية الاستعمارية لهؤلاء فحين يقررون ان هذا الشعب بلا تاريخ وبلا ارادة مقاومة فانما يمهدون لاحتلاله ويصبغون الشرعية الحضارية والانسانية على الاستعمار باعتباره نوعا من الكرم والعطاء، ورسالة للتحرّر والتحضر.
والأمر الاخطر في هذا الكتاب ان المؤلف يصدر عن تعريف للهوية الحضارية للشعب التونسي يمكن اعتبارها دون مبالغة أصولية وصفوية مشدودة الى وهم الاصل النقي. والحال اننا نعرف تاريخيا ان كل الشعوب قد شكلت هويتها من خلال تفاعلها مع الحضارات والثقافات السائدة في عصرها.
ولقد طغت النزعة الايديولوجية في مقاربته للتاريخ فغلب النواحي السلبية من استعمار واستغلال وبطش الحضارات التي تعاقبت مكتفيا باشارات قليلة للنواحي الايجابية ليدعم مواقفه.
ومع ان الكتاب في التاريخ فان المؤلف كان بنيويا في قراءته له فهو يقفز على الشروط التاريخية لكل مرحلة من المراحل، ليخلص منها جميعها (وكأنها متشابهة) باعتبارها تكرارا لنفس السيناريو، احتلال يعقبه احتلال وهكذا، عوض ان يتسلح بمعطيات الحاضر وسياقاته الجديدة من أبرزها ظاهرة العولمة والتي تدفع نحو اعادة النظر في معاني ا لحدود والسيادة والوطنية والهوية فقد عاد للتاريخ ليعيد تشكيله على مقاسات فكره.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضايا و افكار من تونس | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “بحث في شحصية التونسي”

  1. شكرا جزيلا يعطيك الصحة

  2. ايل يقبل يقل يبل يب بسي ي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر