يتواصل حاليا

كتبهاعمر الغدامسي ، في 1 مايو 2008 الساعة: 00:34 ص

لوحات محمود السهيلي في معرض ضخم

الهالة هي «اللوحة ذاتها» وكل ما يغمرها مقدّس
في قلب الشارع الرئيسي بالعاصمة وداخل احد افخم البناءات ذات التصاميم المعاصرة والتي تعود لاحدى أكبر المؤسسات البنكية التونسية يتواصل حاليا المعرض الشخصي للفنان محمود السهيلي وذلك بعرض أكثر من ثلاثين لوحة من الحجم الكبير والتي اتسع لها فضاء العرض المذكور.
المعرض جاء مدعما بوثيقة وهي عبارة عن مطبوعة كتالوغ ملون فخم تم تقديمه على أساس انه ملف صحفي بينما هو في الحقيقة وثيقة لكل مهتم. وهي كل ما سيبقى لهذه المؤسسة البنكية كبصمة تسجل ما بادرت به.
هذا المعرض تزامن ربما من باب الصدفة مع جوائز الكومار والتي تمنحها احدى مؤسسات التأمين للانتاجات الادبية سنويا.
نذكر هذا لمجرد الاشارة ذلك لأن معرض محمود السهيلي يعتبر حدثا من زاويتين الاولى تخص اسم محمود السهيلي ومكانته ضمن حركة المشهد التشكيلي ببلادنا والثانية تخص الاطار الذي يتنزل فيه هذا المعرض. اي اطار تبني احدى المؤسسات الخاصة لتظاهرة تشكيلية… كل المهتمين (فنانين، نقاد، اصحاب أروقة… الخ) يتساءلون: كيف تم ذلك ووفق اية رؤية وتوجه وماذا بعد محمود السهيلي؟…. اسئلة مشروعة ولكل حدث تبعاته.
على امتداد السنوات الأخيرة كان محمود السهيلي يكتفي بالجلوس والعمل داخل مرسمه بسيدي بوسعيد او ببضع مشاركات محتشمة ضمن معارض جماعية. لكن ذلك لم يمس ولو بشعرة واحدة من حضوره الثقيل داخل المشهد التشكيلي المحلي. ليس فقط لأن اعمال البعض من تلاميذه، تذكرنا به بل ولأنه محمود السهيلي الذي يحاط ذكره بإشارات لا علاقة لها بالضرورة بفنه بل بشخصيته وحياته: حبه للموسيقى وعلاقته بالعود وبأم كلثوم، علاقته بالساحة الثقافية ووجوه تعني الكثير كصالح القرمادي وتوفيق بكار وبشير بن يحمد وميشال فوكو الذي قال عن لوحاته: «انها الرسم التجريدي وقد انقلب الى تشخيصي»… محمود السهيلي لا يغفل في كل مناسبة عن ذكر كل هذه الاسماء وغيرها التي عاشرها وعاشرته. ربما بما يفوق رغبته في ذكر من عاشرهم من الفنانين خاصة بعد عودته من الدراسة بباريس الى تونس في اواسط الخمسينات حيث كان هناك نجيب بلخوجة ،لطفي الارنؤوط ونجا المهداوي وغيرهم والحاجة الى الالتقاء والعمل الجماعي كـ «حساسية جديدة» سنة 1965 مع نجيب بخلوجة وحاتم المكي ثم البكري ومطيمط. كل ذلك لفرض الوجود في ساحة تمثل فيها جماعة مدرسة تونسية سلطة مطلقة تحتاج الى صدمات حتى يتم الاقتناع بوجود هذه الحساسية الجديدة….
هل كان الأمر يتعلق باختلاف في الرؤية والتصورات حول الفن ومفاهيمه ووظائفه ام كان الامر يتعلق بالحق في الوجود المادي ضمن سوق فنية ناشئة. لا ننسى ايضا بأن السهيلي كان من بين أول من انشأ رواق التصوير سنة 1975 كفضاء عرض خاص يتوازى مع ما فعله عبد العزيز القرجي ضمن جماعة مدرسة تونس.
اعتقادي الخاص بأن الاختلاف بين جماعة مدرسة تونس ومجموعة الحساسية الجديدة وقبلها مجموعة الستة. كان اختلافا هشا وليس جوهريا، فكل ما فعله من كانوا يعدون شبانا انذاك هو انهم قاموا بتوسيع دائرة مفهوم الهوية في الفن والذي يعد مفهوما مركزيا في خطاب جماعة مدرسة تونس. حيث ان مفهوم الهوية بقي يعني التعبير عن ما هو جماعي مشترك. من كانوا شبابا انذاك ومحمود السهيلي من بينهم كانوا يتفوقون على افراد جماعة مدرسة تونس بجملة من المعارف المفاهيمية والأسلوبية التي اكتشفوها من خلال الدراسة بباريس خاصة. وهي في عمومها معارف تعد كلاسيكية انذاك مقارنة بما وصل اليه الفن في عقدي الخمسينات والستينات من عواصف وآفاق هما ثمرة ما نعيشه الآن من أساليب فنية معاصرة اعادت صياغة مفهوم الهوية في الفن. كما أعادت صياغة مفهوم الفن ذاته والفنان ايضا. يعترف محمود السهيلي بأولئك الاساتذة والفنانين الذين تتلمذ عليهم خلال دراسته بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس ويذكر منهم خاصة لوغو الذي كان من بين من درسوا عنده الفنان كلود فيالا. ونفهم سر تأثر السهيلي بريمون لوغول عندما نعرف بأن الأخير كان ضمن مجموعة فنية تعرف نفسها بالواقعية الشعرية ويصب اهتمامها بعنصر الضوء ومن يعرف اعمال لوغول او أعمال ميشال هنري وهو ايضا رسام تتلمذ على يديه محمود السهيلي يمكنه ان يجد نفسه امام مثال صريح يثبت صحة تلك المقولة التي تتحدث عن تفوق التلميذ على استاذه. ففي لوحات السهيلي ينفذ الضوء من العتمة ويغمر ما يحيطه اما شخوصه فكأنها اطياف قادمة من بعيد… من مسافة ضوئية.
في القديم كان رسام الايقونات يحيط القديسين بهالة ذهبية تشير الى النور. اما في لوحات محمود السهيلي فالهالة هي اللوحة ذاتها. وكل ما يغمرها مقدس. هذا احساس جميل تجاه لوحات محمود السهيلي الذي يجعلنا احيانا وأمام لوحاته نكتفي برؤية العتمة وكأن لا شمس هنا.
ترى ما الذي يعنيه رسم محمود السهيلي اليوم بكل ما يحمله من افكار ورؤى وتجارب امام ما نشهده من اعادة صياغة للمفاهيم. ما الذي يعنيه رسم محمود السهيلي امام ما حملته المدينة كمعمار وموضوع استيحاء من صور ورسومات تراكمت منذ عقود وعقود، انه الرسام القيمة الثابتة في سوق الفن. لكنه ايضا أحد اولئك الذين كان لهم شرف تطوير وزعزعة فكرة الرسم ومفاهيمه ضمن حكايتنا التونسية الصرفة الى حد ما.
  • shili0محمود السهيلي و احدي لوحات معرضهshili0
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من تجارب الفن التونسي المعاصر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر