فرج شوشان يكشـف:
أستاذ جامعي ينتحل كتابا بكامله!
«الموسيقى العربية بالأندلس» من هو مؤلفه الحقيقي؟
تردّدتُ كثيرا قبل الاقدام على نشر هذا المقال والكشف عن هذه الفضيحة. فاتهام شخص بالسطو على نصوص الآخرين وانتحالها ونسبتها لنفسه ليس بالامر الهيّن، خاصة ان صاحبنا ينتمي الى الصحافة والى الجامعة التونسية.
لهذا اردت ان يخلو المقال من كل تعسف او تسرّع في الحكم.. ذلك أني لا ابحث عن خصومة زائفة ولا أريد ان أتجنى على أحد. ولم يقدني هوى في النفس ولا دفعتني الى الكتابة مشاحنة او بغضاء فلست اعرف المنتحل معرفة شخصية لا من قريب ولا من بعيد.
صحيح انه كان عليّ ان اكتب في مشاكل وقضايا مسكوت عنها واكثر اهمية من السطو على كتاب.. وان في مشاغل الناس ما هو اولى بالعناية واحق بالاهتمام..
لكن صحيحا ايضا ان تفشي اللصوصية والسرقة بانواعها واشكالها في كافة مجالات الحياة اليومية في العصر الحديث سبب كاف لقطع الصمت الذي اصبح يعني تواطؤا ينزع عنا انسانيتنا ويسقط كل القيم التنويرية والمعايير الحضارية ويرضخ العلاقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بين البشر لشرعة الغاب وللهمجية والاغتصاب: «حوت ياكل حوت…»!
انتمي الى جيل درج على حب الكتاب. فقد قضيت جانبا من حياتي في مطالعة الكتب والتعريف بها للناس.. وليس من طبعي ان اتعسف على الكتاب، خصوصا في هذه الظروف التي تتطلب بذل جهود فرديج وجماعية استثنائية ليتبوأ الكتاب مكانته كأداة للابداع والمعرفة والتغيير.
احتجت يوما الى الرجوع الى بعض المصادر والمراجع التي تتصل بحضارة الاندلس للتدقيق في بعض المسائل.. فطالعت عشرات الكتب والمجلات من بينها كتاب بعنوان: «الموسيقى العربية بالاندلس اشكالها، تأثيراتها في اوروبا» تأليف محمد الكحلاوي، وهو صادر سنة 1998 بتونس عن منشورات محمد بوذينة، الحمامات (9.139.26 - ISBN 9973). ويقع في 117 ص من حجم 21×15 سم.
تبادر الى ذهني اثناء مطالعة كتاب الكحلاوي ان ما يحويه من افكار ومعلومات سبق ان قرأته في مرجع آخر.. ولم يخطر لي اول الامر اني امام حالة سرقة.. فأنا ممن لا يقولون بالجدة المطلقة في الكتابة.. متأثرا في ذلك بالنقد العربي القديم وخصوصا بالنقد الحديث.. ألم يقل القاضي الجرجاني (القرن العاشر م) في كتابه «الوساطة بين المتنبي وخصومه: «احظر على نفسي ولا أرى لغيري بت الحكم على شاعر بالسرقة» (ص 215).
وواصلت قراءة كتاب الكحلاوي.. فأخذت السرقة تتمثل في الذهن وتتأكد..
قلت: لعل هذا الاخذ هو من باب توارد الخواطر او من باب المعاني المشتركة.. فالمعنى الواحد جائز ان يتناوله اكثر من كاتب ولا عيب في ذلك.. فهذا ابو حيان التوحيدي (القرن العاشر .م) يؤكد في «البصائر والذخائر»: «ان الخواطر تتلاقى وتتواصل كثيرا والعبارة تتشابه دائما..» (ص 312).
لعل هذا الاخذ لا يعدو ان يكون من باب الاقتباس، اقتباس المعنى دون اللفظ.. واعادة صياغته.. او لعل الامر كما اشار ابن رشيق (القرن الحادي عشر ميلادي) في كتابه «العمدة في محاسن الشعر وادابه ونقده» «والمعاني ابدا تتردد وتتولد والكلام يفتح بعضه بعضا» (ج 2.ص 218). واوغلت في التذكر.. فاستحضرت ما في الذاكرة من معان مماثلة او الفاظ شبيهة لما كنت أقرأ.. الا ان الذاكرة لم تعد حاظفة.. وواصلت الابحار في مفاهيم النقد.. من ذلك نظرية التناصّ intertextualitè وهي نظرية شائعة منذ الستينات والتناص يدل على جملة العلاقات الموجودة بين نص وآخر او بينه وبين نصوص اخرى سابقة او لاحقة يقارب بينها القارئ او الناقد..
وتنطلق نظرية التناص من فكرة الناقد الروسي «باختين» (1895-1975): «كل نص يقع على خط تماس مجموعة من النصوص الاخرى وهو في آن واحد اعادة قراءة وتوضيح وتلخيص.. وتعميق..» (نقلا عن قاموس الاجناس والمفاهيم الادبية.. باريس ص 372). وازدحمت افكار النقاد في ذهني وأنا اتذكر واتذكر. وفجأة مادلين بروست!! قطعة الحلوى التي استرجع الكاتب الفرنسي بروست (1871-1922) من خلال طعمها ذكريات طفولته.. بعض الأخطاء المطبعية كانت بمثابة حلوى المادلين.. اعادت الى ذهني النص الاصلي الذي اخذ منه الكحلاوي.
عدت الى مجلة «عالم الفكر» الكويتية.. الى عدد مخصص لحضارة الاندلس (العدد الاول المجلد الثاني عشر، ابريل ـ مايو ـ يونيو 1981).
وفي العدد بحث مطول (من ص 11 الى ص 74، حجم 5،28 × 22 سم). بعنوان «أثر الاندلس على أوروبا في مجال النغم والايقاع».
وصاحب البحث هو الاستاذ عباس الجراري، كرسي الادب المغربي بكلية الاداب، جامعة محمد الخامس، الرباط، وهو اليوم احد المستشارين بالديوان الملكي المغربي.. تبين بعد المقارنة والتدقيق انه باستثناء التقديم الذي كتبه المرحوم عبد الحميد بلعلجية، وباستثناء بعض الفقرات في الفصل الاول فان كتاب محمد الكحلاوي مأخوذ بحذافيره عن بحث الاستاذ عباس الجراري.
وهكذا سقطت كل الجوازات التي ذكرها النقاد القدامى والمحدثين.. خصوصا في باب اقتباس المعنى دون اللفظ او في باب الاستشهاد. فمن الممارسات الادبية الاستشهاد باقوال الآخرين ونصوصهم وهي ممارسة تساعد على تداول الافكار والمعلومات بين الاجيال والاقطار والثقافات.. وهي علامة على سعة الاطلاع وعلى ثقافة الكاتب الواسعة لكن الاستشهاد له قواعده وشروطه وحدوده ضبطها النقد واتفق في شانها النقاد في كل العصور.. من ذلك انه لا بد من الاشارة الى مصدر الشواهد ولا بد من استعمال علامات التنصيص. على أن لا تكون الشواهد اطول من النص نفسه.. وان تقتصر على مقتطفات قصيرة لا تقوم مقام المؤلف الاصلي. فالكحلاوي لا يستخدم في كتابه علامات التنصيص لابراز ما اخذ من بحث الاستاذ عباش الجراري، فهو لا يستعمل الهلالين ولا القوسين ولا الظفرين ولا المزودجين ولا المعقوفين ولا أية علامة تنصيص في كامل نصه ما عدا في فقرة واحدة او في مجال الاشارة الى الشواهد التي وردت في النص الاصلي. وهذه من علامات الانتحال وهو الاخذ الحرفي المخفي وغير المصرّح به وغير المشار اليه بعلامات واضحة. ألخص ما قاله النقاد العرب في شرح تأليفي لمعنى الانتحال «ان يأخذ الكاتب الفاظ غيره وينسبها الى نفسه على غير سبيل المثل والاستشهاد ومن غير تغيير لتركيبه.. والانتحال سطو يقوم به منتحل على مؤلفات الآخرين وانتاجهم وينسبها الى نفسه..»
وهكذا نتبين بعد الدرس والمقارنة ان محمد الكحلاوي اخذ البحث الذي نشره الاستاذ عباس الجراري ونشره باسمه في كتاب.. اخذ النص بكامله (ما عدا بعض الفقرات)، بلفظه ومعناه، بموضوعه واسلوبه، بتراكيبه وعناوينه، بترتيب فقراته، بأخطائه المطبعية التي اضاف اليها اخطاء اخرى، خصوصا عند نقل اسماء الاعلام والمدن المكتوبة بالحروف اللانينية، وامتد الاخذ الى الهوامش فنقلها الكحلاوي بحذافيرها مع بعض الخلط والتشويش احيانا في ترتيبها ونسبتها (ص 40 مثلا) واضاف هامشين لا علاقة لهما بالنص: فهو يذكر كتاب صالح المهدي وكتابا آخر لمحمد بوذينة.
ونصل احيانا عند التثبت في بعض الهوامش الى مواقف سوريالة: مثلا يشير الاستاذ عباس الجراري في الهامش 152 (مجلة عالم الفكر ص 59) الى «الباحث التونسي صديقنا الدكتور جلول عزونة…» هذا الهامش نقله الكحلاوي بحذافيره.. فسطا حتى على اصدقاء الاستاذ عباس الجراري ونسبهم الى نفسه!! (انظر الكحلاوي ص 92)..
والعجب العُجاب ان الكحلاوي ينسب كتب عباس الجراري الى نفسه (انظر الهامش رقم 102 مثلا في كتاب الكحلاوي ص 64). يذكر الهامش، وهو منقول حرفيا عن بحث عباس الجراري (عالم الفكر ص 41): «انظر الموضوعات المتعلقة بالمرابطين في الجزء الأول من كتابنا (!!): الادب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه (دار المعارف. الرباط)».. وهكذا نسب الكحلاوي كتاب عباس الجراري الى نفسه!! فبعد ان سطا على بحثه اغار على بقية مؤلفاته!!
ويبدو ان المنتحل حذف هامشا طويلا ومفيدا عن موقف الاسلام من الموسيقى والغناء (ص 13 في الاصل). وهو من باب ممارسة الرقابة على النص الاصلي.. والغريب ان الكحلاوي من خلال نقل الهوامش يظهر بعض النقائص. فيبدو انه لا يحسن قراءة الارقام الهندية المستعملة في المشرق العربي، فهو يخطئ في نقلها الى الارقام العربية المستعملة عالميا وبالخصوص رقم 7 و8!! وهكذا يكتب 1978 عوض 1987.. (انظر هوامش ص 74، 75، 78، 90، 92، 96، 97، 98 في كتاب الكحلاوي)..
اما البيبلوغرافيا، فقد نقل الكحلاوي قائمة المصادر والمراجع التي أوردها الاستاذ عباس الجراري واضاف اليها عنوان كتاب لصالح المهدي وآخرين لمحمد بوذينة!
ومن عادة الآخذ المنتحل ان يعمد الى اخفاء اخذه بطرق ملتوية والى تضليل القارئ والتمويه عليه.. فهو يوهمك
المزيد














