اللون الوان

مايو 16th, 2008 كتبها عمر الغدامسي نشر في , قضايا و افكار من تونس

 
إسمي…لــون
عمر الغدامسي

أي لون تختاره لي فهو أنا.. أزرق.. أخضر.. أحمر.. أصفر.
ستعوزك كثير من الألوان، لأن ضمورنا العام جعلنا أيضا نفتقد القدرة على تسمية ألوان، كان أجدادنا يتغنون بها… ترى هل الفقدان وقف عند جدار التسميات. وهل العماء يصيب العين دون سواه. يمكنك أن تسميني، خمري، عسلي، قسطلي، قمحي، هكذا كان أجدادك يسمون، فاللون عندهم كان يحيل الى أصل في الطبيعة. هو عصيرها، وهو عصارتها، اذا كان اسمك الاخضر.
هو الفجيعة، اذا كان اسمك ولو لحين «أزرق نيلة» هو الخوف والطالع السيئ، اذا كان اسمك الازرقا.. أنت واللون الواحد. هذه حكمة كامنة فيه حتى قبل بول كلي، لكن بين الحكمة وتجليها تكمن قارة مغمورة من الرؤى والاحاسيس.
أي لون تختارونه لي، فهو أنا وفي ذلك تكمن انسانيتي… انسانية اللون، في تدرجاته. في هشاشته وهو تحت الضوء في العتمة.
في حواريته وتناغمه ورقصته وهو في وصال لون آخر في سرعته ووميضه. اشتعاله وخفوته، وهو يتجلى كخط أو كبقعة، كلمسة أو كمساحة مسطحة.
أجدادك كانوا يعرفون سر الالوان، يفرقون بين السماوي والأزرق.
بين الاتصال والانفصال، للسماوي التبجيل والقداسة وللازرق الخوف والرعب.
السماوي بزرقته الخفيفة الناصعة وهو يرعى الغيوم. السماوي بطبقاته السبع التي تصلنا بالمطلق والمقدس.
الآخر هو

المزيد


مصلحين من تونس

مايو 16th, 2008 كتبها عمر الغدامسي نشر في , قضايا و افكار من تونس

سالم بوحاجب

 علم في رأسه علم شاسع ووقار
بقلم سفيان بن فرحات

كانت تونس على حافة الهاوية. اشتدّت وطأة الاستبداد الداخلي بينما بدأت القوى الخارجية تنهش الإيالة في اللحمة الحية، على غرار كلاب الدم المسعورة. تراءت إرهاصات ليل الحقب الاستعمارية الطويل منذ انقلبت الأمور رأسا على عقب، وانفلتت مقوّمات السيادة تدريجيا. بعد الغشّ والمزايدات والخزعبلات والمغالطات والتلاعب، أيقنت القوى الاستعمارية أن رؤوس الغدر قد أينعت وحان قطافها. انكب الفرنسيس والطليان والأنقليز على فراش الإيالة المتداعية، راصدين سكرات الموت، للانقضاض على ما تبقّى من رفاتها وسلبها.
وصف محمد بيرم الخامس الأوضاع ببلاغة تُغني عن الإلحاح في السؤال، من تلكم التداعيات التي تُفوّض الأمر إلى علاّم الغيوب. كتب في رسالة لأحد أصدقائه واصفا أوضاع تونس عشية الاستعمار :فلو رأيت ما عليه القرار، لملئت رعبا ولولّيت منه الفرار، من ذئاب تغتال، وثعالب تحتال، مجتهدة في قلب الرحال، وتشتيت الرجال، وثعبان شاغر فاه لابتلاع الأموال، فيا لها من حال يرثى لها من رام النزال، وتخرّ لشدّتها شامخات الجبال، افتضحت فيها ربّات الحجال، وهوت الإيالة إلى الزوال، وتمكّن من القلوب الزلزال، وتقاربت الآجال، وانقطعت الآمال، وعُدّ الصلاح من المحال.
فقد فاز من نهض بنفسه، واستراح من فتنة باطنه وحسّه…والله العظيم ونبيّه الكريم، طالما نهضت عزائمي إلى الترحال، فأثقلتني قيود العيال، مع ما أنا عليه من الوحدة عن أخ شقيق، أو قريب يخلفني فيهم عند الضيق، ولم أستطع التخلص بكلّي، لما لا يخفى مما يثقل كلّي، وأقسم بالقرآن، وصفات الرحمان، أنني عرضت للبيع أملاكي، لأتخلّص بها من أشراكي، وأستعين منها بالأثمان، فلم أجد من يصرف لهذا الوجه عنان، ولو من أعيان الأعيان، فالناس حيارى من الأقوات، تائهين في جلب الضروريات، يكادون من القحط أن يأكلوا الحديد، ويقولون هل من مزيد، «وترى الناس سُكارى وما هم بسُكارى ولكن عذاب الله شديد»، إلى غير ذلك من زفرات تتصعّد، وجمرات تتوقّد، وأنين بقوارع الطريق، وصياح على الأبواب ونعيق، وضجيج بالأسواق، حتى تخالها قد التفّت الساق بالساق، فلا تسأل عن القلوب، وما دهاها من الخطوب، وقد فوّضنا الأمر إلى علاّم الغيوب
  • رحل خير الدين التونسي بعد استقالته من الوزارة الكبرى، وقد حالت الدسائس الداخلية والمكائد الفرانساوية والأوروبية دون تواصل تجربته الإصلاحية الرائدة. رحل الجنرال حسين هو الآخر، كما رحل المصلح رستم، وآثر كل من محمد بيرم الخامس ومحمد السنوسي ومحمد العربي زرّوق الفرار بجلودهم وإلقاء عصا التسيار في بلاد الغربة والاغتراب والفرقة، ولوعة فقدان درّة البلدان وأحلى الأحبة والأهل والجيران. استُشهد خير الدين بالأستانة، والجنرال حسين بفيرنزي في إيطاليا، ورستم بالإسكندرية، وبيرم الخامس بالقاهرة، والعربي زروق بالمدينة المنوّرة…
    أمضى الصادق باي على وثيقة القصر السّعيد (وهي من باب أسماء الأضداد، إذ كان قصر الشؤم وموئل الآلام) المسمّاة اتفاقية باردو يوم 12 ماي 1881. احتلّت فرانسا تونس بموجب هذه الاتفاقية التي حملت اسما لا تضاهي معانيه الخبيثة سوى وقاحته الدلاليّة المبيّتة، إذ حملت الوثيقة اسم «اتفاقية الصداقة وحسن الجوار» (traité d’amitié et de bon voisinage) . هكذا كانت تُبرّر الضغائن الاستعمارية المقيتة في ذلك الزمن الرديء.
    أورد الطاهر عبد الله بعض ردهات تلك الفترة العصيبة في كتابه حول الحركة الوطنية التونسية:«لم يكن اللقاء الفاجع في هذا الموقف كله هو اللقاء بين الجنرال الفرنسي والباي…ولكن اللقاء الفاجع حقا ابتدأ عندما اجتمع الباي قبل ذلك بيوم واحد مع مستشاريه ليستطلع رأيهم في مقاومة الاحتلال الفرنسي…فكان من رأي اللواء العربي زروق –رئيس البلدية- عدم الاستسلام والانتقال إلى العاصمة وإعلان المقاومة. فإن الأمة كلها مع الباي…وكانت الذروة في اللقاء عندما دخل الباي ليجتمع بمستشاريه وأعوانه وبرجال الشرع من قضاة وأهل الفتوى. وقال هؤلاء للباي: إذا كان الباي يعلم أنه لا قوة ولا قدرة له على المقاومة، فإن الشرع لا يرى مانعا من الاستسلام. ولكن العربي زروق انتفض يزأر في وجوه هؤلاء الذين لا يعبرون عن شرع أو شعب وإنما يعبرون فقط عن مصالحهم الضيقة، وأسكت هؤلاء الذين احتموا بالدعوة إلى التعقل والبعد عن المغامرة. ولم يضع وقته. والتفت للباي وقال له: «الآن لم يبق وجه لتأخير ما اتفقنا عليه أمس، من انتقال سيدنا إلى تونس. وهنالك يتجمع حولك نحو من ستين ألف مقاتل من أمتك، ويقضي الله بيننا». وكان جواب الباي إشارة حزينة بيده إلى العسكر المحاصر للقصر فكان جواب العربي:«من هنا تبدأ المعركة». فقال الباي:«أتريد أن تخضب هذه اللحية بالدم؟» وكان الردّ التلقائي من العربي زروق:«يذهب رأس واحد خير من ذهاب رؤوس أمة كاملة». وقام الباي غاضبا، وفضّ الاجتماع، ووقّع على المعاهدة بسرعة وأصدر أمره بعزل العربي زروق من جميع وظائفه، وكان مصير العربي زروق معروفا: إما القتل بواسطة الباي أو الفرنسيس أو الهرب…وقد آثر الهرب».
    ابتُلي الشيخ سالم بوحاجب بهذا المصاب الجلل. كيف لا وهو الذي خالط عن قرب عُصبة المصلحين، وعاشرهم طويلا، وتقاسم معهم أعباء الدعوة الخيرية، بحلاوتها ومراراتها. وها هو اليوم وحيدا في بلاد لم تعد كما كانت بلاد، بل أضحت مرتعا لأجانب سرعان ما انقضّوا عليها كالجراد، فاجعين الأهالي في كرامتهم ،وذواتهم، وأملاكهم، وأعراضهم.
    تذكّر صديقه وأستاذه ومولاه الشيخ محمود قابادو الذي مات منذ عشر سنين خلت. تذكّر وليّ نعمته المبكّرة محمد بيرم الرابع وشيخ الشيوخ سيدي إبراهيم الرّياحي. تذكر خير الدين ورحلاتهم الطويلة في الأستانة وفي رحاب السياسة والتأليف، تذكر الجنرال حسين، ذاك الفتى الشركسي المنشأ، النابغة ذي الفكر الوقّاد، الذي عاشره سنينا خلال إقامتهما ببلاد الطليان.
    استعرض الشيخ سالم بوحاجب شريط بداياته المتدفقة كسيل الوادي الثابت في مسلكه رغم الصعاب، والداء والأعداء، لينصبّ في لجج البحور العلمية النقلية والعقلية.
    تبسّم وهو يذكر تلكم الأيام العذبة ببنبلة، وهي قرية من قرى الساحل التونسي، أين وُلد سنة 1827. أوّاه منك يا أيام الوصل بمسقط الرأس. لا يسع من ترشّف مياهك سوى أداء «صلوات في هيكل الحب» التي سوف يبوح بها ذات يوم شاعر تونس والعرب أبو القاسم الشابي:
    عذبة أنت كالطفولة كالأحلام كاللّحن، كالصباح الجديد
    كالسماء الضحوك كالليلة القمراء كالورد كابتسام الوليد
    جاء من أعماق جهة الساحل المُبتلى بالقهر والقمع قبل الاستعمار وبعده، الرافض للرضوخ، كما جاء الشيخ إسماعيل التميمي من الوطن القبلي الشامخ، والشيخ محمد الخضر حسين من نفطة بأقاصي الجنوب المقاوم… كان طفلا يافعا فطنا نبيها. تفطّن أهله لذلك فسارعوا بإرساله إلى تونس العاصمة أين كان عمّه يعطي دروسا خاصة لأبناء الوزير مصطفى آغا بقصر باردو.
    التحق الطفل بالجامع الأعظم، جامع الزيتونة المعمور، وابتدأ رحلة تقارب قرنا من التعلّم والتدريس والريادة والتفوّق. اطّلع على أمهات الكتب، تناول بالدرس العميق أرقى المراجع والمصادر، تواصل مع المسائل الفقهية والأدبية والعلمية التي لا تُدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. ضايق أساتذته بتساؤلاته المتكررة، بل حنقوا عليه لملاحقته إياهم في بيوتهم لمزيد التفسير وإنارة سبيل إرادة المعرفة اللجّاجة. في فترة ما دأب سالم بوحاجب على الذهاب يوميا إلى باردو على الأقدام لقراءة «القاموس المحيط» للفيروز أبادي، المؤلف الضخم الذي تمكن من استيعابه لدرجة الحفظ عن ظهر قلب.
    أثارت شخصية الشاب سالم اهتمام بعض المصلحين من أساتذته على غرار الشيخ محمد بيرم الرابع، حفيد العلاّمة محمد بيرم الأول، الذين فتحوا له أبواب مكتباتهم الثمينة على مصراعيها، فاغترف من كنوزها، ولازم خزائنها بما تحويه من معارف ظلت من صروف الدهر في حصن حصين.
    سرعان ما تفتّقت مواهب العلاّمة لدى سالم بوحاجب الذي انتُدب مدرّسا بجامع الزيتونة وهو في العشرين من عمره. تكوّنت على أيديه زمر من الشباب الذين سوف يتميّزون لاحقا بالثورة ضد فرانسا داخلا وخارجا، على غرار صالح الشريف، ومحمد السنوسي، ومحمد بيرم الخامس، ومحمد الخضر حسين (الذي سيتولى التدريس والمشيخة بجامع الأزهر بالقاهرة)، وإسماعيل الصفايحي، وعبد العزيز الثعالبي وغيرهم.كما طال تأثيره خرّيجي الصادقية ودار المعلمين مثل علي بوشوشة والبشير صفر.
    تعرّف سالم بوحاجب على الشيخ محمود قابادو الذي كان يدرّس آنذاك بالمكتب الحربي بباردو (أول معهد بوليتكنيك على ضفاف البحر البيض المتوسط الذي أسسه أحمد باشا باي سنة 1840). فزيادة عن الشيخ عمر، والد سالم بوحاجب الذي كان متضلّعا في علم الفرائض –وما أدراك ما علم الفرائض إلى يوم الناس هذا- حبّب محمود قابادو للشيخ سالم علوم الرياضيات ودرء التسليم الأعمى والتشبث بالنظر العقلي. ودأب أيضا على مراودة دروس الموطأ التي كان يلقيها الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي ببيته، وعلى النهل من علوم الشيخ الصوفي محمد بن ملوكة بزاويته بباب القرجاني والذي كان يتميّز بمعارف شائعة الصيت في علم الفرائض والعلوم العقلية من هندسة وحساب وفيزياء.
    انضمّ سالم بوحاجب إلى أول هيئة تأسيسية للمجلس البلدي بالحاضرة سنة 1858 وتعرّف مذاك على الجنرال حسين الذي سوف تتوطّد علاقته به تبا

المزيد


كتابات من تونس

مايو 9th, 2008 كتبها عمر الغدامسي نشر في , قضايا و افكار من تونس

«كتاب ديلانو/ شقيق الورد» جديد سليم دولة

هذيان الشعر الذي يحاول قول المواجع كلّها…!
حسن بن عثمان

بالنسبة لي فإن الكتابة عن سليم دولة ليست بالعملية السهلة أبدا، لأنها لا يمكن أن تكون محايدة إطلاقا، ومن هنا عسرها تحديدا. فسليم دولة، كما عرفته، ينتمي للذاتي والخاص فيّ، صديقا صدوقا نافرا، محبا ومؤذيا ومستكبرا وباذلا في كل أحواله أفضل أو أخبث ما عنده. هو أستاذ للفلسفة وباحثا فيها وكاتبا ومشاغبا وقصوويا ولا يصنّف، لا أكاديميا ولا هامشيا ولا عصاميا، وله أقوال بيضاء مسمومة تشكل ترياقا مميتا أو شافيا حسب من يستمع إليه. أقواله المحيطة بالمعاني وبالتراث وبالمعرفة الحديثة يوزعها بأستاذية وبسخاء غفل أو ماكر، بطيبة أو بغير اكتراث، على كل من يرغب فيها. تعلمت منه شذرات من اللغة وسوانح فلسفية كلما أمكن ذلك، كما تعلم منه الكثير من مجايليّ الذين صار لهم شأن كبير في الكثير من المواقع. إنه معلّم جيل تونسي، وهو بالقدر نفسه ينتمي، حسّا وجسدا وذهنا ومعرفة، للوطني وللمعنى، بشموليتهما الكونية، وسياقهما الكليّ، وفاعليتهما الحادّة المحدّدة.
سليم دولة هو ما نعرف ونعلم وهو ما لا نعرف ولا نعلم، وليس في هذا أحجية ما، ولا تلغيزا. ولست هنا بصدد البوح والاستباحة، ولا في مجال التأريخ ولا السير الذاتية، وسأكتفي بهذا القدر من التخطيط الأولي جدّا لملامح شخصية ثقافية تونسية مثيرة وديناميكية على أكثر من صعيد. وذلك عملا بلازمة في كتاب سليم دولة الشعري الجديد: كفى، يكفي.
«كتاب ديلانو/ شقيق الورد» صدر في طبعته الأولى سنة2008 عن منشورات فتى نيربا، على الحساب الخاص، حسب تقديري.
يكفي، كفى. كفى، يكفي. لازمة من لوازم نصوص سليم الدولة الشعرية، وكأنه يقول لنا عبرها أن مرحلة الكتابة التي نحن فيها لا يلزمها سوى ما يكفي، وليس أقدر من الشعر، ومن هذيان الشعر ولغوه وغلوائه، ما يكفي. الشعر هنا كتكثيف ولعب واختزال وقطع متلاحق للكلام كي لا يتحول إلى سرد أو تنظير أو تبليغ. والشعر هنا أيضا بصفته الغنائية حين تعشق الذات ذاتها وتتكلم عنها، وتدخل معها في مرايا متعاكسة، عبر تداع متواصل لا حدود لتواصله، سوى استفاقة على فواجع الذات نفسها ومحيطها المؤلم وتساقط مريع لمرجعياتها الذاتية والمعرفية والمكانية، من الأم إلى بغداد إلى فلسطين إلى أمريكا، ومن الفلاسفة إلى الشعراء إلى الحكماء إلى المنظرين والمتصوفين والخارجين عن المألوف، وذلك دون ترتيب منّي في الأسماء والمقامات، ولا من شعر سليم دولة.
نجد سليم دولة كما كان حاله منذ ربع قرن، وجودا وإنباء عن الوجود، هنا وهناك وهنالك وهنيك، وحذو أهلنا وأهاليك ومهالكك وسائليك. شعره ينبع من التشتت ومن الأوجاع وانقلاب الذات على ذاتها، وانعطافها على تاريخها الذاتي والجمعي، وحزنها واحتفائها بالأشد سوادا وقتامة في الوجود خلال تجاربه الذاتيه والجماعية والتارخية، مع المحافظة على معنويات مرتفعة، مكابرة ومتفائلة.
سليم عاشق لذاته في تجربته الحزينة السادرة في مراكمة الانكسارات التي يطلبها الشاعر ويتعقّبها ويدمن عليها. ذات شاعرة خطيرة،

المزيد


في الفكر الاصلاحي

مايو 9th, 2008 كتبها عمر الغدامسي نشر في , قضايا و افكار من تونس


الجنرال حسين: رجل كألف…
بقلم سفيان بن فرحات

في تلك السنة اللعينة مات أكثر من نصف سكان الإيالة التونسية. بل وبلغ عدد الضحايا ثلثي التونسيين جميعا. كانت كارثة بالتمام والكمال. من تلكم المصائب التي تُكتب بماء الشؤم، وتُوشّم بمنقاش الألم والدموع في سجلّ الشعوب المليء بالمآسي. لم يدوّن التاريخ هذه المأساة، إذ التاريخ مذاك الزمن الأعرج وإلى اليوم هو تاريخ الأقوياء، سير السلاطين ونزوات الحكّام، وكانت رواية مُستجدّات الأيام دائما ضربا من ضروب الآداب السلطانية.
اشتدّ الحال، وبرح الخفاء، وبلغ السيل الزُّبى…وصف ابن أبي الضياف خريف 1867 وشتاء 1868 بالسنة «الشّهباء» قائلا :«أفعمت السيول من كل جهة بالعربان على اختلاف قبائلهم الذين بيعت عليهم في المغارم أقواتهم وأنعامهم، حتى خيام مساكنهم والتصقوا بالتراب تحت أديم السماء مع حُمر الحواصل من ذراريهم. وغصت بهم شوارع الحاضرة ولم تغنهم الصدقات من أهلها، وتفرقوا في المزابل، يلتقطون منها الحشيش. وتكدّر عيش الساكن من سؤالهم على الأبواب، وحنت عليهم قلوب الوافدين من النصارى، وأكثروا من الصدقة عليهم.
ولما هجم البرد، وهم وصغارهم حفاة عراة، مبيتهم شوارع الحاضرة الملوثة بفضلاتهم، فشا فيهم الموت بالطرقات. ففي كل صباح ترى النعوش غادية رائحة بالموتى إلى المارستان، وصار عدد من يموت منهم في اليوم زهاء مائة، وضاق حال بيت المال عن مواراتهم وأكفانهم، وتعفنت البلاد بكثرة أنفاسهم وفضلاتهم، ومرضاهم بالأزقة، والأطباء يحذرون من ذلك، وينذرون بوقوع مرض، وقد وقع، وهو حمّى العفن…وتكدّر حال الساكن من إلحاحهم في السؤال، ولهم العذر الواضح، حتى صار يقول لهم من لا يجد فلسا يردّ به السائل :«الله يعرّي من عرّاكم»، فيقنع المسكين بها، ويؤمّن على دعائه…
وأمر الباي بجعل هؤلاء المساكين الحفاة العراة في معاصر الزيتون بالحاضرة لفراغها، يُقيهم سقفُها من البرد. وهؤلاء الأعيان يأتونهم بالخبز إليها في كل يوم، فكثر فيهم الموتى من ظلمتها ونتنها، وكثرة أنفاسهم بها، واختلاط المرضى مع الأصحّاء…
ولما تفاقم الحال، وكثرت الموتى في الحاضرة، بحمى العفن، التي أنكت في الحاضرة مثل الكوليرا، ظهر للباي أن يوجه هؤلاء المساكين إلى ما بقي من أبنية المحمدية، فساقتهم إليها عصا الضّبطية، ومات منهم في الطريق من مات، وبقيت أجسامهم المكرمة طعمة للوحوش والطيور، والخبز يأتي لمن بقي منهم على يد هؤلاء الأعيان إلى المحمدية، وتنفس شيء من خناقهم بأكل الحشيش وعروقه، والهواء المتّسع.
ولا تحسبنّ الموت في الحاضرة فقط، بل هو في بلدانها، وقبائل عربانها، لا سيما في الجهة الغربية، أشد وأكثر.
وعند العقلاء من عامة الناس أن هذه الإيالة مات النصف من أهلها في هذه السنة.
وقال لي بعض عقلاء العرب من أهل الخبرة:«مات الثلثان، وبقي الثلث». ويشهد له الحال من الجباية، حتى عجزوا عن الحفر لمواراة الموتى، فصاروا يجعتونهم في مطامير خزن الحبوب لفراغها، دون ما تأكله الوحوش والكلاب».
كان ذلك سنتين ونيف بعد قمع ثورة علي بن غذاهم. وكانت بداية نكبة تونس التاريخية إذ سُلبت خيراتُها، وتفشّى فيها الفساد وجشع الحكّام، وانتُهكت قواها الحيّة، واستنفذت مقوّمات مناعتها، فصارت لقمة سائغة للقوى الإمبريالية المتربّصة التي سوف تدكّها دكّا.
لا نعلم الكثير عن نشأة حسين وطفولته، سوى أنه كان مملوكا شركسيا جُلب إلى تونس وهو صغير دون العاشرة. ربما نشأ سنة 1828 ببلاد الشراكسة. كيف أتى إلى تونس ومتى؟ لا توجد معلومات مستفيضة وجديرة بالثقة في هذا الشأن. نعلم أنه تربّى في سراية الباي حسين قبل أن يلتحق بالمكتب الحربي بباردو الذي أسسه أحمد باشا باي سنة 1840. تميّز الفتى بالذكاء والفطنة وسرعة البديهة. بل كان متفوّقا، نابغة خلاّنه وأقرانه. تعلّم العربية والفقه والفرنسية والتركية والفنون العسكرية، فكان مفخرة أساتذته وعلى رأسهم المصلح الفذ محمود قابادو الذي كان شديد الإعجاب بقدراته العلمية، لدرجة الإفصاح بذلك أكثر من مرة على الملء، إلى جانب رستم المملوك الشركسي هو الآخر الذي سوف تقترن حياته إلى حدّ كبير بحياة الجنرال حسين. كانا شابّين متوقّدين معرفة، شغوفين بالنّهل من بحار العلوم.
وها هو مدير المدرسة الحربية بباردو الكولونيل الإيطالي لويدجي كالّيقاريس يوكل لتلميذه حسين ترجمة كتاب «أصول الحرب» للجنرال جُمنيي، فتقوت بهذه المناسبة صلة حسين بمحمود قابادو الذي تولّى مراجعة الترجمة ووضع مقدمة مستفيضة لها. وسوف يترجم حسين ورستم عديد الكتب التي احتيج إليها في المدرسة التي كانت تُدعى أيضا مكتب المهندسين ومكتب العلوم الحربية.
أُعجب كالّّيقاريس هو الآخر بحسين فكتب عنه لاحقا «سيرة الباش مملوك حسين». وللعلم فإن كالّيقاريس قد نشر سنة 1856 بباريس باللغة العربية «كتاب سيرة نابليون الأول»، كما نشر بتونس كتاب «إل نووفو أربانيو» وهو عبارة عن درس نظري وتطبيقي حول اللغة العربية، ونشر أيضا بمدينة طورينو الإيطالية فيما بين 1864 و1870 كتاب «الرفيق في كل الطريق» في جزءين، وهو قاموس متعدد اللغات.
وكتب ليون روش، قنصل عام فرنسا الماكر سنة 1859 أن « حسين هو التلميذ الوحيد بالمدرسة العسكرية الذي انتفع بالتعليم الذي كانت تسديه أحسن ان

المزيد


بحث في شحصية التونسي

فبراير 13th, 2008 كتبها عمر الغدامسي نشر في , قضايا و افكار من تونس

 

«كتاب شخصية التونسي: محصول الجغرافيا والتاريخ» للضاوي خوالدية
هل هي أحكام جاهزة تستعجل الريادة

اعداد: كمال الشيحاوي

اختار الباحث التونسي الضاوي خوالدية عنوانا لافتا ومغريا لمؤلفه الذي أصدره حديثا على نفقته الخاصة وهو «شخصية التونسي: محصول الجغرافيا والتاريخ».
العنوان رغم تركيبته اللغوية الصحيحة فانه أقرب الى الاستعمال الدارج ولا شكّ ان المؤلف الذي استبعد عناوين اخرى من قبيل «صورة التونسي في التراث التونسي» و«سمات الشخصية التونسية في تراثها» و«بنية التونسي النفسية» كما يشير الى ذلك (صفحة 03 من الكتاب) قد أراد بذكاء ان يثير فضول كل التونسيين مهما كان مستواهم الثقافي على اعتبار ان صورة التونسي عن شخصيته ما تزال تشكّل مرتعا لعديد الافكار والمصادرات والأحكام التي تبرز عادة لدى الباحثين المختصين او في الأحاديث اليومية للناس عند المقارنة بينها وبين شخصية الجزائري أو الفرنسي او السعودي او غير ذلك.
ومع ان الكثير من المعنيين بهذا الموضوع خصوصا من النخب الفكرية والسياسية يعتبرون ان شخصية التونسي لم تعد مجال جدل واختلاف في تكوينها الثقافي والحضاري فهي شخصية ذات عمق تاريخي وحضاري كبير ومتنوع مثلت العروبة والاسلام السني / المالكي العناصر الأكثر تأثيرا في تكوينها وهي بالاضافة الى ذلك أميل الى الاعتدال والوسطية، تجمع بين الاصالة والحداثة… الا ان كل ذلك السائد والرائج لم يمنع الباحث الضاوي خوالدية من اعادة طرح السؤال من جديد خصوصا وانه في دراساته السابقة قد توفر على مصادر من قبيل مكاتيب «القياد». في بحثه عن تاريخ الهمامة وأولاد بويحيى في القرن التاسع عشر، وعقود الزواج والاسماء والالقاب في دراسته المتعلقة بالذوات والاسر التونسية في القرن التاسع عشر.
مصادر جديدة
في كتاب «شخصية التونسي» يستجمع خوالدية عددا كبيرا من المصادر والمراجع واليوميات والدوريات والأرشيف باللغات العربية والفرنسية والانقليزية وقد رأى ان المعطيات التاريخية التي توفرت له تسمح له بنوع من التفكيك لمكوّنات الشخصية التونسية واقتراح افكار جديدة وهو ما يمثل مغامرة علمية بالنظر الى ضخامة الموضوع وتشعبه وحاجته الى أكثر من مساهمة.
ومن ا لضروري أن نشير الى ان الباحث «الضاوي خوالدية» لم ينكر دوافعه الايديولوجية في خلفيةتناوله للمبحث ولم يخف ايضا ان منطلقات سؤاله عن شخصية التونسي نابعة من هواجس الحاضر ورؤيته السياسية له. وهو معتد ببحثه اذ يعتبره رائدا مع انه يعتذر في البداية عن الاخطاء الطباعية الكثيرة الواردة بين الصفحة الاولى والرابعة (فلعله استعجل الريادة حتى لا يسبق اليها).
ومما يؤكد قولنا ما جاء في الصفحة الثالثة من الكتاب يقول «ان فحص النفس العربية وسبر اغوارها المظلمة وتحديد عقدها وادوائها المزمنة (خوف وذل واستكانة ورضاء بالدون ورياء وشعور بالنقص وتشبث غريب بحياة المهانة وعجز تام عن المغامرة ومعرفة المجهول ومسخ الهوية) قد يكون المرحلة الاساس من مراحل العلاج تبين للشعب ان مكبلاته النفسية والاجتماعية والسياسية ليست قدرا محتوما وان تفكيكها وتكسيرها وتفجيرها اسهل مما كان يتصوّر وتاريخ الشعوب شاهد على ذلك فيكون التحرر من الاخر… فالانخراط في ركب الانسانية الحقة».
ان محاولتنا الريادية يقول المؤلف (مشيرا الى توزع كتابه الى ثلاثة فصول) ستقوم على دراسة شخصية التونسي من ثلاثة أبعاد رئيسية:
ـ مشكلات شخصية التونسي (عبر التاريخ)
ـ شخصية التونسي المشكّلة
ـ شخصية التونسي الحديثة.
في الفصل الاول مشكلات شخصية التونسي يقول الباحث ان الخاصيات الجغرافية والطبيعية لتونس جعلت منها (ص10) مطمع الغزاة ولقمة سائغة للامبراطوريات وشذاذ الآفاق وقراصنة البحر… حتى ان المؤرخ قد يجد صعوبة في ضبطهم وتعدادهم فيكتفي بذكر أهمهم وأكثرهم أثرا منهم القرطاجيون 814 ـ 146 ق. م. والرومان 146 ق.م ـ 430م والوندال 439 ـ 534م والروم البيزنطيون 534م ـ 642م والعرب المسلمون 647 ـ 1476م والأتراك العثمانيون 1476 ـ 1957 والفرنسيون و(الاتراك) 1881م ـ 1956م ولم يكن غزو هؤلاء افريقية ظرفيا مؤقتا بل كان استيطانيا جله باعتبار هذه البلاد مقاطعة من مقاطعاتهم او دولة رعيتها أمازيغ وأهالي مسلمون «عبيد» وسادتها و

المزيد


الفن في تونس

فبراير 13th, 2008 كتبها عمر الغدامسي نشر في , قضايا و افكار من تونس

فنوننا بين مطرقة الاستشراق وسندان الشرق

عمر الغدامسي

طغت في السنوات الاخيرة ظاهرة تلك المعارض التي تنظمها هيئات اجنبية، فرنسية خاصة، وتدعو لها صنفا من الفنانين التونسيين المختارين، ممن أخذوا على عاتقهم فكرة تطوير الخطاب الإستشراقي بإلباسه رداء المعاصرة من خلال الوسائط التي انتجها الفن المعاصر ذاته.
هم من التونسيين الذين وجدوا أنفسهم لسبب ما، شخصي أو ثقافي يستأنفون تلك الأغراض الغرائبية التي تبوبنا كمتحف مفتوح على الهواء الطلق، أو يسعون الى بسط نمطي لتلك الاشكاليات الحضارية والثقافية المتعلقة بالهوية، أو علاقة الآنا بالآخر، أو بصورة المجتمع التقليدي ووضعية المرأة. بسط نمطي لأنه يستأنف كليشيهات لا تستخصر ما شهده المجتمع من تطور اكسبه صورا ووضعيات واشكاليات جديدة، لا مثيل ولا شبيه لها في مجتمعات اخرى مشابهة لنا في انتمائها للحضارة العربية الاسلامية، بسط نمطي أيضا لأنه لا يعبر عن ما ينشده كل خطاب ابداعي وفكري من عمق ذهني يخاطب الانا والاخر بحس نقدي. مثل هذه المعارض الإستشراقية المعاصرة، تحظى بضخ مالي كبير وهي مغرية جدا لقطاع من الفنانين الباحثين عن الإنتشار. وهي تلتقي مع ظاهرة اخرى مركز ثقلها لا يقع شمالا بل شرقا. ظاهرة ليست بالجديدة أو الطارئ

المزيد


فنوننا و عصرنا

يناير 18th, 2008 كتبها عمر الغدامسي نشر في , قضايا و افكار من تونس

 
 

التفاصيل التي تصنع الفارق

عمر الغدامسي

لنقل مثلا، انه صحفي مختص في الاقتصاد تذكر وهو يشق طريقه في احد شوارع تونس المكتظة انه بحاجة لأدوات حلاقة. على امتداد الاقتصاد بدفع معلوم البضاعة لم يجد في جيبه غير ورقة من فئة العشرين دينارا. كان على البائع المنتصب ان يتصرف لتأمين الفارق
بقي صاحبنا واقفا منتظرا عودة البائع. شعر في الاثناء انه مسؤول على حراسة ما يوجد فوق الصندوق الكرتوني من بضاعة في انتظار
عندما قص صاحبنا حكايته هذه امام زملائه صرخ في وجهه احد الخبثاء مرددا كنت اعلم بانه لا علاقة لك بالإقتصاد، حتى يقال بانك

###

اد

المزيد


وصف الاحوال

يناير 18th, 2008 كتبها عمر الغدامسي نشر في , قضايا و افكار من تونس

  

 

جرح المبدع التونسي

تقديم: حسونة المصباحي
«هم يحبون من الشاعر ان يكون مطربا كذوبا يداجيهم وينافقهم وتلا لهم الحانا شجية تطربهم ولا تبكيهم وتفرحهم ولا تشجيهم، ساترا دموعه بابتسام متصنع، مسكنا صوت قلبه بضوضائهم التي يهوونها فاذا التفت الى نفسه وكشف لهم عما بها من كلوم واسمعهم صوتا من اصوات الألــم الذي اخرسته ضجاتهم صاحوا متبرمين : « انه اعمى لا يحدق الا بالظلام ولا يبصر الا أودية الدموع».
ابو القاسم الشابي (رسائل الى محمد الحليوي)
كان ذلك في خريف 1983 حين التقيت لاول مرة بالكاتب التونسي الاصيل البشير خريف. تم اللقاء في بيت السفير الالماني السيد كاد وزوجته الفاضلة السيدة سيجريد العاشقة للادب العربي وللثقافة العربية بصفة عامة وبالرغم من انه كان مفاجئا وعفويا فان اللقاء كان بديعا للغاية على الاقل بالنسبة لي اذ انه سمح لي ان اتحدث لاول مرة الى كاتب احببته منذ سنوات المراهقة من خلال روايته «برق الليل» التي حولتها الاذاعة التونسية الى تمثيلية امتعت مئات الآلاف من المستمعين اواسط الستينات على ما أظن.
كان سي البشير في ذلك اليوم الخريفي المضيء يرتدي اللباس التونسي التقليدي اي الجبة والبدعية والسروال التركي والشاشية. وكانت حركاته انيقة وصوته دافئا وقد بدا لى حريصا على ان ينتقي كلماته بعناية فائقة ميالا الى ان تكون تلك الكلمات متجذرة في الفولكلور التونسي الاصيل، كلمات من قاع الخابية كما اتصور ان يقول هو عنها، وانا اصغي اليه يتحدث احسست كما لو انني التهم واحدا من تلك الاطباق التونسية اللذيذة التي تعدها ايادي الامهات الخبيرات ولما طلبت منه اجراء حوار لمجلة «الدستور» اللندنية التي كنت اعمل مراسلا لها في ذلك الوقت ابدى ترددا غير ان السيدة سيجريد تمكنت في النهاية من اقناعه بذلك واتذكر انه قال لي ونحن نتوادع بعد تحديد توقيت الموعد لاجراء الحوار : « اسمع سأعطيك حوارا لهذه المجلة التي تتعامل معها نزولا عند رغبة السيدة سيجريد فقط وليس لشيء آخر ذلك اني لا ابتغي خصوصا في هذه المرحلة من حياتي المجد ولا الشهرة ولا الجاه».
بعد مضي اسبوع على ذلك توجهت الى بيته في «تربة الباي» بالمدينة العتيقة تحت رذاذ الخريف استقبلني سي البشير عند الباب مرتديا اللباس التقليدي مصحوبا بقط اصهب، جلسنا في حجرة متواضعة غطت جدرانها كتب اغلبها روايات لمشاهير الكتّاب الفرنسيين الكلاسيكيين من امثال بلزاك وستندال وفلوبيس وموبيسان وزولا وكانت هناك صورة شارلي شابلن واخرى لامرأة بالزي التقليدي التونسي عرفت في ما بعد انها السيدة والدته.
ومن النافذة العريضة كان بالامكان رؤية صومعة جامع الزيتونة. بعد ان قدم لي قهوة اعدها هو بنفسه قال لي سي البشير : انت ترى ان هذا البيت اصبح في حالة يرثى لها وقد الح علي اولادي الذين انتقلوا للسكن في فيلات حديثة في ضواحي العاصمة ان اتركه غير انني رفضت ذلك رفضا قاطعا، انظر من هذه النافذة وايضا من سطح البيت بامكاني ان ارى جزءا كبيرا من المدينة العتيقة وايضا صومعة جامع الزيتونة واشياء اخرى كثيرة تآلفت معها منذ سن الطفولة وعندما اصبحت كاتبا شكلت هي ومنطقة الجريد حيث ولدت العالم الذي شغلني في جميع قصصي ورواياتي لذا فان ترك هذا المكان لا يعني شيئا آخر بالنسبة لي غير قطيعة مؤلمة بل قاتلة مع هذا العالم وهذه الاشياء !».
وفي الحوار المسهب الذي اجريته معه تحدثنا في مسائل كثيرة تتصل بطفولته وحياته في العاصمة في سنوات الشباب ثم الكهولة وعن الكتّاب الذين اثروا فيه من قريب او من بعيد غير ان المسألة التي توقفنا عندها كثيرا كانت معاناته كمبدع والعراقيل التي اعترضته واشباه الأدباء الذين حاربوه وسعوا الى الاساءة اليه والىاعماله بشتى الطرق والوسائل وقد حدثني سي البشير عن ذلك بصوته الدافىء دائما في حين غطت ملامحه ظلال من الحزن والانكسار.
عقب اجراء ذلك الحوار بشهرين وبضعة ايام فقط على صدوره في مجلة «الدستور» اللندنية توفي سي البشير بالسكتة القلبية في قلب العالم الذي ارتبط به حتى النهاية اعني بذلك المدينة العتيقة وكنت في باريس لما بلغني الخبر فكان حزني شديدا اذ ان واحدا آخر من اكثر المبدعين اصالة رحل وفي حلقه غصة وفي قلبه حسرة والشيء الذي أثار سخطي في ما بعد هو ان أولئك الذين ناصبوه العداء فقط لانه مبدع حقيقي واصيل تحولوا فجأة الى أشد الناس تحمسا له ودفاعا عنه وعن ادبه ولكن عندما عدت الى تاريخ الادب التونسي الحديث وجدت ان هذا الامر ليس بالغريب فاغلب بل جميع المبدعين التونسيين خصوصا في النصف الاول من هذا القرن لم يعد لهم الاعتبار، ولم يتبوؤوا المكانة التي تليق بهم الا بعد رحيلهم بفترة طويلة أحيانا. وكان علي الدوعاجي افضل من عبّر عن هذه المأساة عندما

المزيد


الخمارات في تونس ليلة رمضان

سبتمبر 29th, 2007 كتبها عمر الغدامسي نشر في , قضايا و افكار من تونس


 سيدي رمضان" والتونسي الذي يَشْرُبُ

  ولا يُدْمِنُ

حسن بن عثمان

  مساء يوم قبل رمضان بدأت تخيّم ظلال الشهر المقدّس وأجوائه وتباشيره على مدينة تونس، وحين حلوله يوم الخميس يتبدّل إيقاع المدينة وسماتها وتتغيّر ملامحها وتعابيرها ورائحتها، فتتديّن على طريقتها وتمارس طقوس صومها الذي لا يخلو من تقوى ومن أمزجة عكرة وسلوكيات.

لشعيرة الصيام الرمضانية في تونس، وكذلك في كل بلدان المغرب العربي، موقعا استثنائيا في ضمير المسلمين وفي وسلوكهم في هذه الديار. يتخذون من هذا الشهر مناسبة ومقياسا للانتماء وبرهانا على الهوية، من أجل التمييز بين المؤمنين والكافرين، فالصائمون مسلمون والمفطرون كفرة أو أشباه كفرة. ذلك ما هو راسخ في الضمير الجمعي ويعبّر عن نفسه مداراة أحيانا وبصريح القول في أغلب الأحيان. بمعنى أن الكفر برمضان وعدم توقيره وتأدية الصيام هو كفر بالإسلام كلّه، وتلك ثقافة عميقة راسخة لا تكاد تتزحزح رغم محاولات مترددة في مناوشتها.

في هذه الفسحة من الوقت المسائي التي تشرع فيه المدينة على تبديل عاداتها اليومية وتهيئ نفسها لترمضن شئنا أن نقوم بجولة في أماكن تعتبر من أخص خصائص تونس بصفتها بلدا عربيا مسلما يحاول أن يواصل تشبثه بتلابيب الحداثة، كما أنه ينتمي بالجغرافية إلى أعلى نقطة في شمال إفريقيا وأقرب نقطة جنوب البحر الأبيض المتوسط، يكاد ما يفصله من مساحة عن بلدان الشمال الأوروبية لا يتجاوز بضعة كيلومترات، ما يجعل شخصيته الاجتماعية فيها من التأورب نصيب، ومن ذلك عادة تناول الخمور، على مألوف بلدان البحر الأبيض المتوسط بضفتيه.

إذن، المقصود بالأماكن التي قصدناها الخمارات ومحلات بيع المسكرات.

ما يلاحظ، بداية، هو أن المنتوج التونسي من الخمور ما ينفكّ يتطوّر وتتنوّع أصنافه وطرق إنتاجه وحفظه وصيانته، سعيا للوصول به إلى جودة عالية ترتقي إلى مصاف الضوابط والمقاييس العالمية في إنتاج هذا الصنف من السلع، بما أننا في زمن العولمة. وهذه السلعة التي لها سطوة على الأذهان والأبدان والمهج والعقول لها سوق محلية ودولية واسعة ومتنامية. والمفارقة في الأمر أنه بقدر تكاثر أنواع الخمور الوطنية والبيرة ومسمياتها، فإن البارات والحانات والخمارات الشعبية ما تنفك تتقلص وتتناقص، لدرجة مثلا أن ولاية أريانة كلها، وهي تنتمي إلى إقليم العاصمة، لم تعد توجد فيها خمارة ولا مطعم- حانة، فضلا على أن كل الأحياء الجديدة التي طوّقت العاصمة، ليس فيها محلات لاستهلاك المسكرات. علما أن مدينة تونس كانت مدينة كوسموبولتية، وحين خروج الاستعمار الفرنسي خلّف لها بارات وحانات لم تكن تخلو منها أي مدينة تونسية، في المراكز كما في الأطراف، وكان يعمّرها الأهالي من السكّيرين التونسيين الوطنيين. السكّيرون الوطنيون هم أولئك الذين يشربون من الإنتاج الوطني ولا يقدرون على المستورد من الكحوليات! فحتّى في السكر ثمة الوطنيون وثمة غيرهم

المزيد


حرف و صنايع

سبتمبر 29th, 2007 كتبها عمر الغدامسي نشر في , قضايا و افكار من تونس


صناعة الخزف التونسي تصارع للبقاء أمام شدة التنافس

جمال العرفاوي


    تتسم صناعة الخزف التونسية بغناها وتاريخها القديم. فهي تشهد على تناقل مكوناتها وتقنياتها من مؤسسيها الأوائل بين الأجيال على مدى القرون لكن القطاع يتضرر من الصادرات البخسة وقلة الاهتمام من أبناء الحرفيين في نقل هذه الحرفة.

 
حين وصلنا مساء إلى أطراف مدينة نابل بالوطن القبلي كان المكان يلفه دخان أسود كثيف، والسماء الصافية الزرقاء تكاد تختنق بهذا الجو الذي اختلطت فيه السنة النيران المتصاعدة بالأفران المنتشرة فوق أسطح قرية دار شعبان الفهري التي اشتهرت بصناعة الخزف.

"الناس تعودوا على هذا المشهد الذي أصبح جزءا من حياتهم منذ عشرات السنين، "ويضيف السيد عمر مخلوف وهو أصيل المنطقة " أنه مصدر رزقهم والجميع ورثوا المهنة عن أبائهم وأجدادهم وما ينتجونه تسترزق منه الكثير من العائلات التونسية في كامل أنحاء البلاد وخاصة المناطق التي يؤمها السياح".

وتعتبر محافظة نابل الساحلية التي لا تبعد سوى 70 كلم عن العاصمة تونس مملكة الخزف بلا منازع حيث عرفت بإنتاجها الوفير والمتنوع في ميدان الفخار. والتسمية القديمة لمدينة نابل هي "نيابوليس" حسب المراجع اليونانية القديمة والقرن الخامس، قبل الميلاد. وقد ازدهرت نيابوليس في عهد سلم حروب البونية ثم الرومانية لعدة قرون.

أما نابل حسب الجغرافيين العرب في العصر الوسيط مثل الإدريسي في القرن الثاني عشر فهي "قصر نابل" وهي في العهد الحديث والمعاصر"بلد نابل" التي يصفها الرحالة الأوروبيين"بالجنة الصغيرة".

وصناعة الخزف ورثها أهالي الوطن القبلي عن أسلافهم منذ ألاف السنين وجميع المتاحف التونسية لا تخلو من الأواني الفخارية ذات الاستخدامات العديدة التي استعملها الفينيقيون والرومان والبيزنطيون والمسلمون، إذ نجدها أداة للزينة والاستعمال اليومي للمطبخ.
 
أمام جبال من الصلصال الطبيعي استقبلنا السيد رشيد بن فرحات محمر الوجنتين ينصبب عرقا وحين سألته عن الأمر لم يرد

المزيد


التالي