..
يشكّل المسار الفكري لكلود ليفي – شتراوس مغامرة مميزة في الثقافة الغربية المعاصرة التي شهدت طوال القرن الماضي انفجارات فكرية كبرى أعادت النظر في مجمل النظرة الوثوقية الغربية للعالم, خاصة في مجال العلوم الإنسانية المثقلة كاهلها بميراث فلسفة الأنوار التي صاغت منذ ما يقارب الثلاثة قرون رؤية الرجل الغربي لجواره الحضاري والجغرافي… وبالرغم من التقلبات و التعرجات و القطائع النسقية التي شهدها الفكر و الفلسفة الغربيين طوال القرن العشرين في أوروبا, فإن الجهد الفكري لكلود لفي شتراوس استطاع بتفرد و بمعزل عن إيقاع التحولات السياسية التي عاشها العالم الغربي في مغامرته الإيديولوجية الكبرى (التوتاليتارية والديموقراطية) تطوير مجال علم الإناسة من مجرد مجال يرتكز البحث فيه على دراسة المقابلة التقليدية بين الطبيعة و الثقافة إلى مجال دراسي تتجرد فيها الأنتتروبولوجيا من كل الحواجز الحضارية و الحدود التاريخية في دراسة الثقافة الإنسانية المرتهنة سلفا في الفكر الإناسي الغربي بين التحضر والتوحش…
إن المتأمل في مسيرة هذا المفكر والفيلسوف الذي تحتفل به الأوساط الثقافية الفرنسية هذه الأيام بمناسبة إدراج أهم أعماله الفكرية و الفلسفية في السلسلة الشهيرة «لابلياد «(أو الثريا) الصادرة عن دار غاليمار, سيدرك المعادلة الصعبة التي حققها هذا المفكر الغربي في التموقع العميق داخل مشاغل القرن العشرين بتمفصلاته الفكرية والسياسية و الاجتماعية الأساسية و في نفس الوقت القدرة على جعل المغامرة الفكرية نفسها تمرينا نقديا يعيد النظر في مصادرات الفكر الغربي نفسه تجاه صياغة ميثولوجياتها و موقفه من ميثولوجيات العلم الآخر المحايث لحدوده.
لقد بدأت هذه المغامرة الفكرية ذات التكوين الحقوقي و الفلسفي منذ عام 1927 حين نضجت على أيدي كبار المفكرين و الأكاديميين في ذلك الوقت في إطار الدراسة الجامعية في باريس ( كلية الحقوق البانتيون و جامعة السربون قسم الفلسفة )من أمثال الفيلسوف إيميل برييه و ليون برنشفيغ و جون لابورت, وجورج دوماس والتي سمحت لشتراوس بمناقشة رسالة الدراسات العليا التي حملت عنوانا نقديا لافتا للنظر « المصادرات الفلسفية للمادية التاريخية», توجت عام 1931بالحصول على شهادة التبريز في الفلسفة و ضمن جيل من الطلبة المرموقين الذين سوف يكون لهم شأن في مسار الفلسفة و الفكر الفرنسي كجون بول سارتر سيمون دي بوفوار و موريس مرلو بونتي و بول نيزان و فرديناند ألكييه ,غير أن شتراوس بعد تمام الخدمة العسكرية و الانخراط في التدريس في معهد لاوون الثانوي , لم يكن يدرك أن حياته و اهتماماته الفكرية ستنقلب رأسا على عقب عند اكتشافه لكتاب «المجتمع البدائي» لعالم الإناسة الأمريكي روبار لوفي , الذي اجترح فيه منهجية في البحث تعتمد بالأساس على التزام الباحث الملاحظ متجردا من الأنساق الفكرية و الفلسفية و إقامة بحثه على العشرة الدراسية في الفضاءات المفتوحة و الانقياد لمنطقها الخاص .وقد كانت رتابة التدريس في المعاهد و ضيق الأفق في التجديد الفكري التي كانت تفرضها تلك السنوات حافزا أساسيا لرغبة شتراوس في التطلع إلى آفاق جديدة, و تأتي مبادرة سييستان بوغلي مدير مدرسة المعلمين العليا لتغير مساره حين رشحه لمنصب شاغر لتدريس علم الاجتماع في جامعة سان باولو بالبرازيل.انتهز شتراوس الفرصة و التحق بالتدريس في هذه الجامعة مكتشفا عالما مجهولا لا يزال يحافظ على بكارته الحضارية و الثقافية, فقرر بدأ العمل الميداني بعد أن ضمن كرسي علم الاجتماع في ساو بولو يعاضده في ذلك كل من بيار مونبايغ و أستاذه القديم فرنان برودال. كان الحقل الميداني لبداية هذا البحث الإناسي منطقة ماتو غروسو داخل غابة الأمازون بين قبائل الهنود ال













