كلود ليفي ـ شتراوس..-٠٢

مايو 23rd, 2008 كتبها عمر الغدامسي نشر في , مجري النهر

p14n03..

آخر المتوحشين
اعداد: عبد الحليم المسعودي

يشكّل المسار الفكري لكلود ليفي – شتراوس مغامرة مميزة في الثقافة الغربية المعاصرة التي شهدت طوال القرن الماضي انفجارات فكرية كبرى أعادت النظر في مجمل النظرة الوثوقية الغربية للعالم, خاصة في مجال العلوم الإنسانية المثقلة كاهلها بميراث فلسفة الأنوار التي صاغت منذ ما يقارب الثلاثة قرون رؤية الرجل الغربي لجواره الحضاري والجغرافي… وبالرغم من التقلبات و التعرجات و القطائع النسقية التي شهدها الفكر و الفلسفة الغربيين طوال القرن العشرين في أوروبا, فإن الجهد الفكري لكلود لفي شتراوس استطاع بتفرد و بمعزل عن إيقاع التحولات السياسية التي عاشها العالم الغربي في مغامرته الإيديولوجية الكبرى (التوتاليتارية والديموقراطية) تطوير مجال علم الإناسة من مجرد مجال يرتكز البحث فيه على دراسة المقابلة التقليدية بين الطبيعة و الثقافة إلى مجال دراسي تتجرد فيها الأنتتروبولوجيا من كل الحواجز الحضارية و الحدود التاريخية في دراسة الثقافة الإنسانية المرتهنة سلفا في الفكر الإناسي الغربي بين التحضر والتوحش…
إن المتأمل في مسيرة هذا المفكر والفيلسوف الذي تحتفل به الأوساط الثقافية الفرنسية هذه الأيام بمناسبة إدراج أهم أعماله الفكرية و الفلسفية في السلسلة الشهيرة «لابلياد «(أو الثريا) الصادرة عن دار غاليمار, سيدرك المعادلة الصعبة التي حققها هذا المفكر الغربي في التموقع العميق داخل مشاغل القرن العشرين بتمفصلاته الفكرية والسياسية و الاجتماعية الأساسية و في نفس الوقت القدرة على جعل المغامرة الفكرية نفسها تمرينا نقديا يعيد النظر في مصادرات الفكر الغربي نفسه تجاه صياغة ميثولوجياتها و موقفه من ميثولوجيات العلم الآخر المحايث لحدوده.
لقد بدأت هذه المغامرة الفكرية ذات التكوين الحقوقي و الفلسفي منذ عام 1927 حين نضجت على أيدي كبار المفكرين و الأكاديميين في ذلك الوقت في إطار الدراسة الجامعية في باريس ( كلية الحقوق البانتيون و جامعة السربون قسم الفلسفة )من أمثال الفيلسوف إيميل برييه و ليون برنشفيغ و جون لابورت, وجورج دوماس والتي سمحت لشتراوس بمناقشة رسالة الدراسات العليا التي حملت عنوانا نقديا لافتا للنظر « المصادرات الفلسفية للمادية التاريخية», توجت عام 1931بالحصول على شهادة التبريز في الفلسفة و ضمن جيل من الطلبة المرموقين الذين سوف يكون لهم شأن في مسار الفلسفة و الفكر الفرنسي كجون بول سارتر سيمون دي بوفوار و موريس مرلو بونتي و بول نيزان و فرديناند ألكييه ,غير أن شتراوس بعد تمام الخدمة العسكرية و الانخراط في التدريس في معهد لاوون الثانوي , لم يكن يدرك أن حياته و اهتماماته الفكرية ستنقلب رأسا على عقب عند اكتشافه لكتاب «المجتمع البدائي» لعالم الإناسة الأمريكي روبار لوفي , الذي اجترح فيه منهجية في البحث تعتمد بالأساس على التزام الباحث الملاحظ متجردا من الأنساق الفكرية و الفلسفية و إقامة بحثه على العشرة الدراسية في الفضاءات المفتوحة و الانقياد لمنطقها الخاص .وقد كانت رتابة التدريس في المعاهد و ضيق الأفق في التجديد الفكري التي كانت تفرضها تلك السنوات حافزا أساسيا لرغبة شتراوس في التطلع إلى آفاق جديدة, و تأتي مبادرة سييستان بوغلي مدير مدرسة المعلمين العليا لتغير مساره حين رشحه لمنصب شاغر لتدريس علم الاجتماع في جامعة سان باولو بالبرازيل.انتهز شتراوس الفرصة و التحق بالتدريس في هذه الجامعة مكتشفا عالما مجهولا لا يزال يحافظ على بكارته الحضارية و الثقافية, فقرر بدأ العمل الميداني بعد أن ضمن كرسي علم الاجتماع في ساو بولو يعاضده في ذلك كل من بيار مونبايغ و أستاذه القديم فرنان برودال. كان الحقل الميداني لبداية هذا البحث الإناسي منطقة ماتو غروسو داخل غابة الأمازون بين قبائل الهنود ال

المزيد


كلود ليفي ـ شتراوس-٠١

مايو 23rd, 2008 كتبها عمر الغدامسي نشر في , مجري النهر

كلود ليفي ـ شتراوس
الإنسان شريك في الخلق
 لا سيد عليه

اعداد: كمال الهلالي

سيبلغ كلود ليفي شتراوس قريبا مائة عام. كتبه التي وسمت القرن الماضي وبدّلت الكثير حول الشعوب التي كانت توصف بالبدائية وحول الفكر المتوحش، الذي هو فكر متطور ومعقد في نظر الأنتروبولوجي الفرنسي، كتبه ستطبع ضمن سلسلة البلاياد الشهيرة في دار قاليمار ولهذا السبب يقرع ألف جرس وجرس لتحية هذا العقل الكبير. وبالمناسبة ننشر في «ضاد الصحافة» نصّ الخطاب الذي ألقاه كلود ليفي ستراوس في ماي 2005 أثناء تسلّمه للجائزة الدولية لكتالونيا وقد كانت مناسبة له للتفكير حول الانسان والعالم:
  • عن الصعوبة المتنامية للعيش المشترك
ولدت في السنوات الاولى من القرن العشرين، والى حدّ نهايته، كنتُ أحد الشهود عليه، ولهذا السبب يطلب منّي دائما الإدلاء بشهادتي حوله. أعتبر أنّه من غير اللائق أن أكون حكما على الاحداث التراجيدية التي وسمته. الذين عاشوا هذه الاحداث وتحمّلوا قسوتها، أولى بالشهادة عليه منّي، فقد حمتني مجموعة من الصدف المتعاقبة، ولم تؤثّر هذه الأحداث أساسا الاّ على مسيرتي العلميّةالإتنولوجيا، التي من الممكن أن نتساءل هل هي علم أو فن (أو لعلّها الإثنان معا) تمدّ جزءا من جذورها في حقبة قديمة بينما يمتدّ الجزء الآخر في حقبة أخرى حديثة. ألا يكون رجال نهاية القرون الوسطى وعصر النهضة قد مارسوا شكلا أوّليا من الإتنولوجيا حين أعادوا اكتشاف التاريخ اليوناني ــ الروماني القديم وحين جعل اليسوعيين من اليونانية واللاتينية قاعدة للتعليم؟ نعرف أنّه ليس بقدرة أيّما حضارة أن تفكّر في نفسها في غياب حضارات أخرى تساعد على المقارنة. وقد عثر عصر النهضة في الأدب القديم على الوسيلة التي أبرز بها ثقافته الخاصة، بجعل التصوّرات المعاصرة تجابه تصوّرات الأزمنة والأمكنة الأخرى.
الفرق الوحيد بين الثقافة الكلاسيكية والثقافة الإتنوغرافية يتمثل في أبعاد العالم المعروف في حقبة كل من هاتين الثقافتين. في بداية عصر النهضة كان العالم الانساني محصورا في حدود حوض المتوسّط. بقية العالم كان يشكّ في وجودها. في القرن الثامن عشر والتاسع عشر اتسعت الانسانية مع تقدّم الاكتشافات الجغرافية، لتشمل الصين والهند. اصطلاحنا الجامعي الذي يضع دراستهما تحت مسمّى الفيلولوجيا غير الكلاسيكية، يقرّ من خلال عجزه على ابتكار وصف آخر أصيل، بأنّ الامر يتعلق بنفس الحركة الانسانوية وقد اتّسعت لتشمل أرضا جديدة. اهتمام الاتنولوجيا بالحضارات الاخيرة التي لا تزال موضوع ازدراء ـ أي المجتمعات المسماة بدائية ـ ساهم في دفع الإنسانويّة الى مرحلتها الثالثة.
أنماط معرفة الإتنولوجيا بالمقارنة مع العلوم السابقة هي في نفس الوقت خ

المزيد


الخط القيرواني

مايو 16th, 2008 كتبها عمر الغدامسي نشر في , مجري النهر

 
 

تجليات الخط القيرواني

حسين القهواجي
«منذ أربعين عاما لم يجف لي قلم»
القصري
«كلما كنت بالكتابة أحذق كنت بالانسانية أحق»
التوحيدي

  1. قبل أن تبنى المدينة وتشيد حصونها الطينية في وهدة وسطى من الأرض، لتكون قرارة الدين وعمق العقيدة، عرفت حلقات الشورى كتبة وخطاطين حبسوا رقوق مدوناتهم الشبيهة بلون الشهد على مساجد ومحارس بناها اخيار الصحابة والتابعين ممن دخلوا افريقية في خلافة عثمان سنة اربع وثلاثين للهجرة، على رأسهم معاوية بن خديج، وأغلب الظن أن ألواح العهود والرقاع الاولى كانت من تحرير بنانه دون وشي أو تنقيط والغاية أن يكون الخط إلهيا منزها.
    حيث لا نجد هذا الصنف الا في بواكير الرسائل الشريفة التي بعث بها الرسول الكريم الى الملوك بقلم زيد بن ثابت، وكذلك في مصحف عثمان بن عفان كان نسخ المهاجرون على غراره وهم يطوون الطريق الى القيروان الموعودة.
    أصل هذا الصنف كوفي مبسوط لا يحفل بالمستدير ويرغب في الأرباع والزوايا، تحسبه مرسلا على سجية الذوق، وهو مقيد بقاعدة متماثلة التقسيم متكافئة الجوانب.
    يقوم على ميزان التطابيق بين اسافل الكتابة وأعاليها.
    أحيانا تنبني على عدم استواء فتزداد بذلك الميل حلاوة وبعد نظر «وما أقرته الأقلام يكبر أن تطمسه الأيام» من رقعة مهملة تنسب الى المؤرخ أبو العرب التميمي.
    سيكسب هذا الخط لاقحا مدات وجزما محددا بنسبة من الغلطة ومقدار من اللين مع التساوي عند استقامة الألف المذيل واستلقاء التاء وتقويس القاف، صيغت معشقة على هيئة الهلال المحلى بالتعريق، متاعا نفيسا وبهجة للناظرين.
    علما وان بديهة ارسال الخط قد تقود الى التأويل ولا ندري أي ـ تسوير ـ أعدت، وأي ـ تيسير ـ أبدت من غير دلالة على تكلف يتلف في غمرة الإدغام، أوائل المعنى وأواخره.
    فالأنفع آنذاك ان تعطي الحروف نصيبها من البيان بسطة، ورب كلمة جلبت نعمة من حسن آثارهم وهي دليل العقل مع الأدب، كشجر الآراك تراه مثمرا وإن كان أجرد من التوريق(من فروعه يقتطع عود السواك او المسواك».
    وهل يلذ المشهد ما لم نغرس من جديد دوحة الخطاطين الأوائل منهم مهندس الالفاظ مع الاركان وتخطيطات السطوح «رويفع» سنة سبع واربعين هجرية و«الصنعاني» ساكن باب الريح، و«العود الرطب» غارس الزيتونة في حي الانصار، و«نزار الزاهد» العارف بصنع الحبر من فصوص صمغ اليمن وكحل جبال مكة مع احماض العنب. والمتصفح في الخط أفطن وأبصر لمواضع الجمال فيه، من منشئه بما هو مجرب.
    رغبة في إحياء العلم كان بعض نساخ الكوفة إذا علم بمجيء ابن فروخ يهتف غبطة : هو كتاب محمول الينا فلا نحرم حظنا من تمايزه المغربي، وفي الحين تفتح له الابواب ويسكن أطيب منزل يذهب هذا الفقيه العفيف في الاعتقاد بان الالف نصف حرف والهمزة النصف الاخر. وقد افضى به السير على مذهب مالك الى عدم اعتبار الالف من الحروف، ناهيك وان اللام المركبة فيه تعد حرفا في التقويم الابجدي العتيق اي بعد تمام الوحي. وهو اجتهاد ذهني منتهاه تفريد الواحد القهار لأن الكلام صفته وكماله.
    كذلك أسد بن الفرات علاوة على فتحه صقلية وهو يوصي ربان المراكب بأن لا يأخذ البحر طولا فيوشك على الغرق، كان طلبة القيروان يأخذون بحواشي قميصه وأكمامه ويقعدوه للانتفاع به، حين رحل الى مصر رغب الناس في كتبه ونقلوا مدونته التي يجوب بها الاقطار على سبيل النشر بقراءات افريقية، ان شئت فاقبل، وان شئت فاترك.
    هنا استحضر الفقير احمد القصري خط بيده ما لم يكتبه احد، هو الذي كان يرهن لحافه ويبيع قميصه ان لم يجد دينارا اغلبيا يشتري به الورق.
    حينذاك وفي بلاط المعز بن باديس نشأت صاحبة الشأن «درة الكاتبة» وذات صباح من 1018 ميلادية خرجت تتفقد مصنع الكاغذ بحي الجامع نهج ابي عمران الفاسي وراحت تومي الى حاشيتها بالقول : هو وجه مطلوب وصناعة مرغوب فيها «الورق ثمن كل شيء وان غلا، ومراتب الى اليقين مهما علا». ولللقراطيس تسميات شتى منها السجل والبائق ـ وريقات مرهفة قدر اصبعين، ينقل بريدها الحمام الزاجل صوب المبعوث اليه، والطومار ـ لفيفة محزمة بخيط من حرير وتزايين فيها تأثير من اهل الصين مخترعو الكاغذ.
    ولا عجب ان عرفت الاسواق صحائف الديباج والقطن الملكي وطبقات اخرى من محلول الرز المجلوب، ومن حشيشة القنب المنقوع او المغموس في ماء الكلس الجيري للحبك والطلاقة، تباع رزما وارطالا.
    وما القلم لولا قوة الانبوب ورونق الاسلوب مشقا للميم، وتقويما للالف «الساري في الحروف سريان الواحد في الاعداد».
    سمي القلم قلما لانه مقتطف من شجرة خاوية فيحاء اسمها القلام، تنمو في فلاة من الحبشة وتمبكتو وشنقيط. اذا ارسلته يستوفي العبارة ويؤدي الجملة وقد اصاب رقشا في شواكل النص وتنقيطا من احمر رماني دل على دماء الشهداء، الى اخضر زمردي يبشر بلباس من سندس، اللون الاول لتبيين الضم والفتح والكسر، واللون الثاني وثاق يعقل شوارد الحركات، على اعتبار ان الشكل حلية متناسبة التناسق.
    ولهذه الرقوق المغربية بامتياز، قلم له وجه وصدر وعرض، يسمى الرياسي ـ وفق ما اورده الشاعر ابن رشيق.
    يمكن للمتأمل أن يستخرج تشبيهات أخرى من كتابة مغايرة صور الخطاط علي بن أحمد الوراق تصرف ح

المزيد


نص محاضرة أمبرتو إيكو

يناير 24th, 2008 كتبها عمر الغدامسي نشر في , مجري النهر

شبكة الإنترنت.. تتيح لك الحرية أن تصبح تولستوي أو فلوبير!!

 
نص محاضرة أمبرتو إيكو 

 - مستقبل الكتب
   
   فلقد كان هذا المكان في الماضي، كما هو في الحاضر، وكما سيكون في المستقبل، مكرسا للحفاظ علي الكتب، وبالتالي فإنه يعتبر، وسيعتبر كذلك في المستقبل، معبدا للذاكرة النباتية. فالمكتبات كانت عبر القرون وسيلة مهمة للحفاظ علي الحكمة الجماعية. وكانت ومازالت نوعا من العقل الكوني الذي يمكننا من خلاله استعادة ما نسيناه أو معرفة ما نجهل من الامور أو المعلومات. ولو سمحتم لي أن استخدم هذه الاستعارة، فإن المكتبة هي أفضل ما صممه العقل البشري لمحاكاة العقل الإلهي حيث تري فيها الكون بأكمله وتفهمه في ذات الوقت، فالإنسان الذي سيستطيع أن يخزن في عقله كل المعلومات التي تقدمها له مكتبة عظيمة يمكنه بصورة ما أن يضاهي عقل الله. أي أننا قد اخترعنا المكتبات لأننا نعرف أننا لانتمتع بقدرات إلهية ولكننا نحاول بكل ما أوتينا من قوة أن نحاكي هذه القدرات.
وان عملية بناء، أو لنقل إعادة بناء، واحدة من أعظم المكتبات في العالم قد تبدو تحديا كبيرا، فالمقالات التي تنشرها الصحف والأبحاث التي يقدمها بعض الباحثين الاكاديميين تتحدث كثيرا عن احتمال موت الكتاب وذلك في مواجهة عصر الكمبيوتر والإنترنت.
فلو كان لزاما علي الكتب أن تختفي، مثلما حدث لألواح الطين والمسلات التي تنتمي لحضارات عصور سحيقة لكان هذا سببا وجيها لإلغاء المكتبات. ولكن العكس صحيح فالكتب يجب ان تحيا كمتاحف تحفظ انتاج الماضي، تماما مثلما نحتفظ الآن في أحد المتاحف بحجر رشيد فقط لأننا لم نعد نحفر وثائقنا ونصوصنا علي أسطح معدنية، كما أن الإعجاب الذي أكنه للمكتبات سيحمل قدرا كبيرا من التفاؤل، وذلك لأنني أنتمي إلي تلك الحفنة من الناس التي مازالت تعتقد أن للكتاب المطبوع مستقبلا، وأن جميع المخاوف المتعلقة باختفائه ما هي إلا مثال آخر لبعض المخاوف المرعبة المتعلقة بانتهاء شيء ما، بما في ذلك انتهاء العالم.
ولقد كان لزاما علي في العديد من المقابلات أن أجيب عن أسئلة مثل: هل ستؤدي الوسائط الإلكترونية الجديدة الي موت الكتاب أو انقراضه؟ هل ستؤدي شبكة الإنترنت إلي موت الأدب؟ هل ستقضي حضارة النصوص ذات الروابط التي نجدها علي شبكة الإنترنت (hypertexts) علي فكرة ‘التأليف’؟ وكما ترون حضراتكم، لو كنتم تتمتعون بعقل طبيعي متزن فإن هذه أسئلة مختلفة، واذا أخذتم في الاعتبار الشعور بالخوف الذي نتجت عنه مثل هذه الأسئلة، فإن المرء يشعر أن المحاورين في هذه المقابلات أو اللقاءات يشعرون بالطمأنينة اذا كانت الاجابة ‘لا، اطمئنوا، الأمور علي ما يرام’. ولكن هذا خطأ، فلو أخبرتهم أن الكتب والأدب ومفهوم ‘التأليف’ لن تختفي، فسيبدو عليهم القلق. أين إذن السبق الصحفي والإثارة الصحفية؟ والواقع إنك اذا نشرت أن أحد الحاصلين علي جائزة نوبل قد توفي فإنك تصنع خبرا. أما اذا قلت إنه بخير ومازال علي قيد الحياة، فهذا الخبر لايهم أحدا إلا الشخص ذاته فيما أعتقد.
وان ما أود أن أفعله اليوم هو محاولة التعامل مع المخاوف المركبة المتعلقة بمشكلات مختلفة. فإن توضيح أفكارنا بخصوص هذه المشكلات يمكن أن يساعدنا في تحقيق فهم أفضل لما نعنيه بالكتاب، والنص، والأدب، والتفسير وما إلي ذلك من أمور. ولذلك فإننا سنري كيف أن سؤالا بسيطا يمكن أن يودي إلي اجابات حكيمة، وربما تكون هذه هي الفائدة الثقافية للمقابلات واللقاءات الساذجة.
ودعونا نبدأ بقصة مصرية علي الرغم من أن من يرويها أحد اليونانيين، فكما قال أفلاطون في Phaedrus عندما قدم هرميس أو Theut الذي يقال انه قد اخترع الكتابة، هذا الاختراع إلي الفرعون Thamus أثني الفرعون علي هذا الاسلوب غير المسبوق الذي من المفترض أنه يسمح للانسان أن يتذكر ما قد ينساه اذا لم يتم تسجيله كتابة. ولكن Thamus لم يكن سعيدا للغاية وقال ‘يا Theut الماهر، إن الذاكرة هبة عظيمة يجب ان نحافظ عليها عن طريق التدريب المستمر، أما طبقا لاختراعك فان الناس لن يضطروا إلي تدريب ذاكرتهم بعد الآن، لأنهم سيتذكرون الأشياء بسبب مساعدة اداة خارجية لابسبب جهد داخلي يقومون به’.
ويمكننا أن نفهم قلق Thamus هذا، فالكتابة، مثلها في ذلك مثل أي اختراع تكنولوجي جديد، يمكن أن تؤدي إلي تقليص القدرة البشرية التي تتظاهر أنها تحل محلها أو تدعمها. فلقد كانت الكتابة تمثل خطرا ما لأنها قلصت قدرة العقل البشري عن طريق تقديمه للإنسان كروح مجمدة في صورة كاريكاتير، أو علي شكل ذاكرة معدنية.
وبالطبع فإن نص أفلاطون نص ساخر، فلقد كان أفلاطون يعبر عن رفضه للكتابة، ولكنه كان يتظاهر بأن هذه الرؤية قد قدمها سقراط الذي لم يكتب (وذلك لأنه لم ينشر أعماله حيث انه لقي حتفه في اثناء معركته الأكاديمية).
ولايحمل أحد اليوم الهم الذي أرق Thamus وذلك لسببين بسيطين. أولا، إننا نعرف أن الكتب ليست وسيلة تجعل الآخرين يفكرون نيابة عنا، فالعكس هو الصحيح لأن الكتب عبارة عن آليات تؤدي إلي إثارة المزيد من الأفكار. فإنه فقط بعد هذا الاختراع الذي يسمي ‘الكتابة’ أصبح من الممكن أن تتم كتابة عمل رائع يصور الذاكرة العفوية مثل رائعة بروست Proust ‘البحث عن الزمن الضائع’ La Recherche du Temps Perdu.
أما السبب الثاني فيتمثل فيما يلي، لو كان الناس قد احتاجوا في توقيت ما أن يدربوا ذاكرتهم علي تذكر الكتب، فالكتب تتحدي الذاكرة وتزيد من حدتها ولاتدمرها.
ولكن الفرعون في تلك القصة كان يعبر عن خوف أبدي: الخوف من أن يؤدي أي نجاح تكنولوجي جديد إلي قتل شيء كنا نعتبره في الماضي غاليا ومثمرا.
ولقد استخدمت الفعل ‘يقتل’ هنا عمدا، وذلك لأنه منذ أربعة عشر قرنا قدم لنا فيكتور هوجو Victor Hugo في روايته Notre Dame de Paris قسا يدعي كلود فرولو وهو ينظر بحزن إلي أبراج كاتدرائيته، وتدور أحداث هذه الرواية في القرن الخامس عشر بعد اختراع الطباعة. وقبل هذا التاريخ كانت المخطوطات تحفظ لتستخدمها الصفوة من المتعلمين، وكانت الوسيلة الوحيدة لتعليم العامة قصص الكتاب المقدس وحياة المسيح والقديسين والمباديء الاخلاقية بل وأحداث التاريخ القومي وبعض المفاهيم الأساسية في الجغرافيا والعلوم الطبيعية (مثل طبيعة الشعوب المجهولة بالنسبة لهم أو خصائص الأعشاب والصخور) تتمثل في صور الكاتدرائية، فلقد كانت الكاتدرائية في العصور الوسطي بمثابة برنامج تليفزيوني ثابت منوط به تعريف الناس بكل الأمور التي لاغني عنها في حياتهم اليومية وكذلك في سعيهم نحو الخلاص الابدي.
وفرولو لديه الآن كتاب مطبوع أمامه علي الطاولة ويردد هامسا: سيقتل هذا ذاك (أي سيقتل الكتاب الكاتدرائية، ستقتل الأبجدية الصور) فالكتاب سيصرف أنظار الناس واهتمامهم عن القيم المهمة كما أنه سيشجع وجود المعلومات غير الضرورية والتفاسير الحرة للكتاب المقدس وكذلك الفضول المجنون.
وفي الستينات كتب The Gutenberg GalaxyMarshall McL uhan (مجرة جوتنبرج) الذي أعلن فيه أن التفكير الأفقي الذي كان قد دعم وجوده اختراع الطباعة قد أصبح مهددا بالاستبدال بوسيلة أخري للإدراك والفهم أكثر عالمية تقدمها الصور في التليفزيون والآلات والأجهزة الإلكترونية الأخري. واذا كان McL uhan لم يشر بإصبعه إلي جهاز التليفزيون ثم إلي كتاب مطبوع ولم يقل: ‘هذا سيقتل ذاك’ فإن الكثيرين من قرائه قد فعلوا ذلك.
ولو كان ل McL uhan أن يبقي معنا وقتا أطول لكان أول من يكتب عملا يحمل عنوانا مثل: Gutenberg Strikes Back (جوتنبرج يرد). حقا ان الحاسب الآلي (الكمبيوتر) هو جهاز يستخدم لانتاج صور ثم تعديلها، وحقا يقدم هذا الجهاز التعليمات عن طريق أيقونات، ولكن هذا الجهاز قد أصبح كذلك أداة أبجدية، أكثر من كونه أي شيء آخر. فعلي شاشته تجد الكلمات والسطور، كما أنك يجب أن تكون علي دراية بالقراءة والكتابة حتي تستطيع أن تستخدم جهاز الحاسب الآلي.
فهل هناك فرق بين مجرة جوتنبرج الأولي ومجرته الثانية؟ نعم، هناك العديد من الفروق. أولا، لقد كانت مجرة جوتنبرج أول معالج كلمات أثري ينتمي إلي الثمانينات من القرن التاسع عشر ويقدم نوعا من التواصل المكتوب الأفقي. ولكن أجهزة الحاسب الآلي التي نراها اليوم تقدم ما هو أكثر من التواصل الأفقي، وذلك لأنها تقدم تركيبا لنصوص ذات روابط (hypertexts).
ومن الأمور الجديرة بالذكر هنا أن الحاسب الآلي عندما ظهر في الوجود لأول مرة كان عبارة عن آلة تستطيع فقط أن تقوم بخطوة واحدة تلو الأخري. وفي واقع الأمر فان هذا الجهاز مازال يعمل بنفس الطريقة علي مستوي لغاته الأساسية، أي يعمل علي أسس ثنائية، عبارة عن صفر واحد ثم صفر واحد وهكذا. ولكن مخرجات هذا الجهاز ليست مخرجات أفقية، فهي عبارة عن انفجار ألعاب نارية سميوطيقية، ونموذج هذه المخرجات ليس نموذجا أفقيا ولكنه عبارة عن نموذج مجرة حقيقية يمكن لكل فرد أن يصنع روابط غير متوقعة بين نجومها لتكوين صور سماوية جديدة مع كل بحث جديد.
وعند هذه النقطة بالضبط يجب أن تبدأ عملية الكشف التي نهتم بها هنا، وذلك لأننا نعني ظاهرتين مختلفتين تماما عندما نتحدث عن تركيب النصوص ذات الروابط الإلكترونية (Hypertextual Structure).
1 استخدام الروابط في داخل النص التقليدي Contextual Hypertext ففي كتاب تقليدي علي المرء أن يقوم بالقراءة من اليسار إلي اليمين (أو من اليمين إلي اليسار أو من أعلي إلي أسفل وذلك طبقا للثقافات المختلفة) في شكل أفقي. ويمكن للمرء بالطبع أن يقفز عبر الصفحات فبعد أن يصل إلي الصفحة رقم 300 يمكنه أن يعود لقراءة شيء ما أو للتحقق من أمر ما في الصفحة رقم 10 ولكن مثل هذا العمل يتضمن مجهودا بدنيا. أما النص الذي يحتوي علي روابط إلكترونية فهو عبارة عن شبكة متعددة الأبعاد أو متاهة يمكن لكل نقطة فيها أو لأي طرف أن يلتقيا مع أي نقطة أخري أو طرف آخر.
2 النصوص ذات الروابط التي توجد في إطار ما: وتعد شبكة الإنترنت العالمية (www) أم جميع النصوص ذات الروابط الإلكترونية (Hypertexts)، فهذه الشبكة عبارة عن مكتبة تغطي العالم وتنتشر فيه بأسره، ويمكنك عن طريقها وفي وقت قصير أن تحصل علي كل الكتب التي ترغب في الحصول عليها. فشبكة الإنترنت هي النظام العام الذي يحوي في إطاره جميع النصوص ذات الروابط الإلكترونية (Hypertext) الموجودة في العالم.
وإن هذا الفرق بين ‘النص’ و ‘النظام’ هو فرق مهم للغاية، وسنعود للحديث عنه بعد لحظات، أما الآن فدعوني أتعامل مع أكثر الأسئلة التي تطرح في هذا الصدد سذاجة حيث أن هذا الفرق غير واضح بعد في هذا السؤال، ولكن الإجابة عن هذا السؤال الأول ستمكننا من توضيح النقطة التالية التي نعني بها.
وهذا السؤال الساذج هو: هل ستؤدي الأقراص الإلكترونية التي تحمل هذه النصوص ذات الروابط (Hypertext) وشبكة الإنترنت ونظم الوسائط المتعددة إلي إنقراض الكتاب؟ ولقد وصلنا بهذا السؤال إلي الفصل الختامي في قصة ‘سيقتل هذا ذاك’.
ولكن حتي هذا السؤال قد يؤدي إلي شيء من الخلط. حيث أنه يمكن صياغته علي نحوين مختلفين: أ) هل الكتب كأشياء مادية ستختفي؟ ب) هل الكتب كأشياء افتراضية ستختفي؟
ودعوني أولا أجيب عن السؤال الأول.
إنه حتي بعد إختراع الكتابة لم تكن هي الوسيلة الوحيدة التي نحصل منها علي المعلومات.. فلقد كان هناك كذلك اللوحات والصور المطبوعة المنتشرة والتعليم الشفهي و غيرها، ولكن الكتب قد أثبتت أنها أكثر المصادر ملاءمة لنقل المعلومات.
وهناك نوعان من الكتب: تلك التي نقرأها وتلك التي نرجع إليها، وبخصوص تلك الكتب التي نقرأها فإن

المزيد